تل حفيظ الغموض والاسطورة

تل حفيظ الغموض والإسطورة
مرتفع أرضي في عمق من أعماق أهوار محافظة ميسان ، اكتسب شهرة واسعة النطاق ، تعدت حدود العراق والوطن العربي واجتاحت الساحة العالمية ، كونها من أكثر الأماكن غموضاً ورعباً ، حالات غريبة تحدث ، نيران بلا دخان في الليل ، ودخان بلا نار في النهار ، أضواء ، أصوات غريبة غير مفهومة ، غناء ، دبكات ، رقص وكتل سوداء تتحرك في المكان ، هذا في الليل ، أما في النهار تعود الأمور الى مجراها الطبيعي وكأن شيئاً لم يكن ، لم يتمكن لا العلم ولا المنطق من إيجاد أي تفسير لها ، ما ترك لها الأبواب مفتوحة لتدخل ضمن عالمي الجن والأرواح ، وهو الميدان الذي يلقى فيه كل ما لم نجد له تفسيراً .
تل حفيظ ، بقعة أثرية غير منقبة ، تتناثر فيها بعض القطع الأثرية هنا وهناك ، تظهر بشكل واضح للعيان بعد تساقط الأمطار ، وأيضاً تظهر الكثير من الأحجار الكريمة والمعادن الثمينة كالحلي الذهبية والفضية ، ثم تعود الى الاختفاء مرة أخرى ، الى درجة يصعب إيجادها .
الشائع في المنطقة وما يدور الحديث عنه بين سكان القرى المجاورة إن أحداً لا يمكنه أخذ أي شيء قد يجده في المكان مهما حاول لن يفلح ، وكأن حارساً خفياً يقوم بمراقبة المكان ويمنع أي سرقة من اي نوع ، دون أن يلحق الأذى بالسارق أو بكل من يتجول في المنطقة ، تروى في ذلك الكثير من القصص والحكايا ، وإن كانت غير موثقة لكنها مشهورة الى درجة القطع ، لعل أبرزها قصة القارب الذي تجول أصحابه في المكان ، لم يجدوا شيئاً ولم يتعرضوا الى أي نوع من الأذى ، لكن عندما راموا المغادرة بعد نهاية الجولة ، تجمد القارب في الماء وكأن قوة خفية تمسكه ، لم يتمكنوا من تحريكه قط ، فهموا جميعهم هذه العلامة ، فهي تدل على إن أحدهم قد وجد شيئاً ثميناً فاحتفظ به ، لذا لن يتحرك القارب ما لم يقوم بإعادته ، لكن ذلك الشخص كان مغرماً بما وجد ولم يرغب في التنازل عنه ، بعد المداولة بينهم ، اقتنع أخيراً وأعاد ما وجده ، فتحرك القارب بشكل طبيعي وانطلقوا بطريق العودة دون أن يمس أحدهم أي أذى ، هذه لعلها من أشهر الحوادث التي يتناقلها سكان المنطقة ، واقعاً ، لا يمكن توثيق هكذا حوادث بشكل علمي أو منطقي ، لأنها تحدث بشكل مفاجئ ، وتنتهي بشكل غامض .
سكان المنطقة ليسوا الوحيدين ممن شهد هذه الظواهر ، بل شهدها أيضاً الصيادين الذين يجوبون المنطقة لصيد السمك أو الطيور ، وغالباً ما تستدعي مهامهم المبيت في المنطقة ، لاحظوا مثل الظواهر وتعرضوا لها ، لا وبل تعايشوا معها ، دون أن تسجل أي حادث اعتداء ، بالإضافة الى سكان المنطقة والصيادين هناك أيضاً الجنود العراقيين (الجيش العراقي السابق) الذين تنتشر وحداتهم حول التل ، هم بدورهم وعلى كثرتهم وتغيرهم بإستمرار عايشوا وتعايشوا مع هذه الظواهر الغريبة ، لم يجدوا بدورهم أي تفسير لها سوى المتهم التقليدي (الجن) .
لا توجد آراء حول تل حفيظ غير المتناقلة بين السكان البسطاء ثقافياً وبدورهم يرمونها في عالمي الجن والعفاريت ، وربما توغلوا في التاريخ ونسبوها الى مملكة سليمان “ع” ، فرددوا ان النبي سليمان “ع” اخفى فيها كنزاً ثميناً ، وقد أوكل مهمة حراسة هذا الكنز الى عفريت يدعى “حفيظ” ، لكن هناك أخرين لا يوافقونهم الرأي ، ويعتقدون إن النبي سليمان “ع” سجن فيها المتمردين من الجن والشياطين وأوكل مهمة حراسة السجن الى أحد ملوك الجن والذي سمي “حفيظ” ، ومن هنا جاءت التسمية “تل حفيظ” ، كلاهما اتفقا على تسمية الحارس الأمين “حفيظ ” واختلفا في العين المحروسة هل هم سجناء من الجن أم كنز ؟! ، لا يوجد أي دليل أو وثيقة تثبت ذلك ، مجرد أعيرة في الهواء ، لكن الغريب البساطة الثقافية لسكان المنطقة وتوصلهم بجهودهم المتواضعة الى مثل هذه المعلومات المتناقلة أباً عن جد ، أم هو ضرباً من الخيال ! .
في فترة الحرب العراقية الايرانية ، كانت تشتر وحدات الجيش العراقي بشكل كبير في كل بقعة أو جزيرة وسط الأهوار ، تستخدم كمقرات أو مخازن للسلاح والعتاد وكذلك الطعام ، منطقة تل حفيظ تعتبر ذات أهمية خاصة لما تتمتع به من إنبساط الأرض وسهولة التحرك بها بسبب عدم نمو القصب والبردي فيها ، وهذا يضاف الى جملة غرائب المنطقة حيث تحاط بكتل هائلة من القصب والبردي الا انها لا تنمو حول تل حفيظ ، الظلام الدامس سيكون سيد الموقف في الليل ، وقلة الإنارة خشية أن يكتشف الموقع من قبل العدو ، فيضرب بالقنابل أو يتعرض الى هجوم مباغت ، بالإضافة الى الرعب والهلع الذي ينتاب الجنود الذين لم يألفوا العيش في الأهوار ودور الشائعات حول المنطقة المسكونة ورؤية الأطياف تتحرك ليلاً زاد الطين بله ، ظلام دامس + عدو + إشاعات الأشباح وأيضاً الحيوانات البرية والزواحف والحشرات الطائرة والهوام ، كل ذاك يجعل المقاتل في حالة هيستيرية ، توتر نفسي شديد ، فيتخيل ويرى ما لا يراه غيره ويسمع أصواتاً تصدر من هنا وهناك ، تزيد قلبه نبضات الى نبضاته الطبيعية ، فهو يواجه مجموعة من الأعداء في وقتٍ واحد (عدو بشري ، خنازير برية ، أفاعي ، عقارب بالإضافة الى البعوض المزعج) ، ليس الأمر هيناً لجندي جاء من وسط العراق أو شماله ، ولا هو بالأمر الهيّن لجندي جاء من جنوب العراق لم يعتد على المواجهة في عدة جبهات في آن واحد ، وقد تدرب على مواجهة جيش بجيش ، جندي بجندي ، وتمرن على كافة أساليب القتال العسكرية ، لكنه لم يتلقى دروساً حول تلك الزواحف الصامتة أو العقارب الكامنة ، ولا حتى عن الخنازير البرية القاتلة ، وتلك الحكايا التي تبادلها مع رفاقه عن الأشباح ، يجعل الأمر أكثر سوءً ، يحلق نظره تجاه تلك التلة المرتفعة ، فيتخيل شبحاً عملاقاً واقفاً هناك ، أو يتحرك جيئةً وذهاباً ، أو قد يرى كتل سوداء في كل مكان لكن خارج أسوار الوحدة العسكرية ، في صبيحة اليوم التالي ، سوف يروي ما شاهده من تخيلات الى رفاقه وقد يوافقونه الرأي .
يروي سكان المنطقة وغيرهم من الصيادين إنهم شاهدوا مروحيات أمريكية حامت حول المنطقة ولعدة ساعات ، بعد الإحتلال ، فاعتقدوا إن الأمريكان هم بدورهم يسعون نحو الكنز ، وأغفلوا أو لعل هوسهم وولعهم أنساهم إن المنطقة عسكرية وفيها تنتشر الكثير من القنابل والصواريخ والمعدات العسكرية الأخرى التي تركها الجيش العراقي وانصرف ، لازالت هذه القنابل والصواريخ غير المستخدمة بادية للعيان حتى هذه اللحظة ، ومن جهة أخرى موقع المنطقة وامتداده الى الجارة الجمهورية الاسلامية الايرانية ، فلا غرابة ان تحوم الطائرات الأمريكية المحتلة المكان .
أجمل ما في منطقة تل حفيظ ولعله من غرائبها الجمة ، السلام والأمان ، حيث :
1- إن أحداً لم يصب بسوء ، رغم الشائعات حولها بانها مسكونة ، وغالباً ما يرافق المناطق المسكونة أصابات بالجنون أو حدوث عمليات خطف الجن للبشر كما يزعم عادة ، أو أن يعتدي الجن على البيوتات المجاورة كما ينقل في روايات الرعب .
2- ظاهرتي المد والجزر لم تؤثر فيها اطلاقاً ، فلم تغرق المنطقة قط .
3- لم تسجل أحداث اعتداء حيوان بري على انسان ، ولا حتى زواحف وهوام فيها ، إلا في ما جاورها .
4- رغم إنتشار البعوض والحشرات الأخرى ، لم يسجل فيها تفشي أي وباء .
5- صيادي السمك والطيور لم يتعرضوا الى اي اعتداء من أي نوع كان ، وربما إتخذوها مكاناً للراحة والمبيت .
6- رغم توغل الجيش الايراني في أعماق الأهوار العراقية ، وتمكنه فيها ألا إنه لم يصل الى منطقة تل حفيظ ، ولم يشن هجوماً على القطعات العسكرية العراقية فيها ، عدا اشتباكات خفيفة من حولها ، وفيها أيضاً لم يخسر العراق قتيلاً ولا جريح ولا أسير ، فقط في المناطق من حولها.
7- والأغرب من كل ذلك ، إن المهربين بين العراق والجمهورية الإسلامية الإيرانية ورغم كثافة القطعات العسكرية العراقية والإيرانية في المنطقة يتجولون بحرية تامة ، ويتمكنون من إيجاد طريقاً بين الجيشين ، وربما تبادلوا رشقات رصاص مع هذا الطرف أو ذاك .
“حفيظ” أي تحفظ من عليها ، محفوظ من فيها ، لسبب غير معروف ، رغم الحالات والظواهر الغريبة التي قد تصل درجة الرعب والهلع ، وبالخصوص ظهور تلك الكتل السوداء الضخمة نسبياً ، كل كتلة تحمل مشعلاً نارياً ، بين واحدة وأخرى عدة أمتار ، تضرب سوراً حول التل ، كأنهم حراس أشداء ، ومن خلفهم ، مقابل التل تتصاعد السنة النار واللهب ، والدخان يخيم على المنطقة ، وتعلو أصواتًاً غريبة غير مفهومة ، لا هي صراخ ولا هي غناء ، لا هي اصوات بشر ولا هي اصوات حيوانات ، وتسمع بعدها اصواتاً أشبه بقرع الطبول ، ثم تظهر كتلة سوداء تعلو التل ، كأنه الملك أو الرئيس ، تستمر هذه الحالة حتى وقت السحر وتبدأ بالتلاشي المقنن المنظم ، فأول ما ظهر تلك الكتل السوداء حملة المشاعل ستكون أخر شيء يختفي ، أما الكتلة السوداء فوق التل هي اخر ما يظهر وأول ما يختفي ، هكذا بشكل منظم وليس بشكل عشوائي ، وعندما تشرق الشمس لم يبق من الحفلة سوى الدخان ، وعادة ما يظهر من ثقوب دائرية حفرت بدقة عالية في الأرض ، وكأن الجميع خلد الى النوم.
هذه الظاهرة تحدث عدة مرات في الشهر أو الأسبوع ، لم يحاول أحداً الاقتراب في الليل قط ، أما في النهار لا مشكلة ، كأن الليل ممنوع ، وفي النهار مسموح ، لولا إن الشهود أكثر من واحد ومن مختلف الأعمار ، لم نكن لنصدق هذه الروايات وغيرها الكثير ، كما وإن اختلاف الشهود يدعو لتأكيد هذه الظواهر ، فمن الشهود سكان المنطقة وصيادو السمك والطيور وكذلك جنود جيش العراق السابق والذين هم بدورهم جاؤوا من مناطق مختلفة .
لا أعتقد بوجود شيء غير قابل للتفسير العلمي أو المنطقي ، لكن الموضوع بحاجة الى تقنيات علمية وخبرة بشرية إبداعية لتفسير وتحليل هذه الظواهر ومن ثم الخروج بنتيجة منطقية ومقبولة ، تشبع وتنعش فضول الإنسان المتعطش بطبيعته لفك رموز الغموض في هذا العالم .
شهرة منطقة “تل حفيظ” عربياً وعالمياً جعل منها مصدراً لجذب السواح ومحبي المغامرة والغموض من كل انحاء العالم ، وفعلاً قد زارها الكثير من الأجانب نهاراً فقط ، ومن دول مختلفة ، لكن الخدمات سيئة لا ترقى لمستوى الطموح ، فالسائح بحاجة الى الشعور بالأمان ، وتوفر الفنادق والمطاعم الجيدة ، وانسيابية النقل جيئةً وذهاباً ، وهو بحاجة الى أدلاء أو مرشدين ومترجمين ، ما يوفر فرص عمل كثيرة للمنطقة التي تعاني من الفقر وقلة فرص العمل ، كما ويأتي هنا دور الإعلام والإعلان الترويجي ، إذا علمنا إن أغلب العراقيين لم يسمعوا بها قط ، بسبب الاهمال الإعلامي وتغاضي النظر إلا ما ندر .
كل دولة في العالم تستغل أي ظاهرة غريبة على اراضيها يروجوا لها محلياً وعالمياً بغية جذب أنظار السواح والمهتمين بالظواهر الغريبة ، ومن ثم تبدأ بجني الثمار ، بعض الدول تصطنع ظواهر غريبة وتحاك حولها أساطير ليست حقيقية بغية جذب الأنظار كمدينة الأشباح الصينية والقرية المسكونة في الأمارات العربية ، موارد رزق هامشية لإثراء المنطقة وتوفير فرص العمل لسكانها ، احسنوا إستغلالها وإستثمارها بصورة صحيحة .
في العراق ، لا إهتمام بالجوانب السياحية ومصادرها ، رغم كثرة المواقع الأثرية التي يتوق لرؤيتها الملايين حول العالم ، تركت مهملة يعبث بها العابثون ، وتدفنها كثبان الرمل في بعض المناطق ، كان يمكن أن تكون دخلاً للدولة ومصدراً للرزق للسكان المحليين ، لكن السياسات غير الصحيحة دمرتها كما دمرت كل شيء جميل !.

حيدر الحدراوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.