تقاليد الزفاف في الموصل

تقاليد الزفاف في الموصل

تقاليد الزفاف في الموصل

ازهر العبيدي
باحث ومؤرخ
قد يكون الزفاف آخر مناسبة من تقاليد الزواج في الموصل بعد الخطبة والنيشان وجلب الحمالة، وكان يسميه أهل الموصل (الجلبات)، ويسميه أهل العروس (يوم النقشي) أو (يوم النقلي)، ويسمى في الوقت الحاضر (يوم الزفّي) أو (ليلة الدخلي). ويسبق الزفاف مناسبة عقد القران المسماة شعبياً (مسك العقد) التي يتم فيها تسجيل الزواج رسمياً في سجلات المحكمة الشرعية، ويتم عقد القران بعد أيام أو شهور قليلة من النيشان وفي يوم خميس على الأغلب في بيت أهل الزوج من قبل قاضي البلدة، ويعقد أناس آخرون هذا العقد في المحكمة الشرعية.

 وكان يهيأ لذلك بيت أهل العريس بتنظيفه وفرشه وترتيب الكراسي والقنفات التي يتم إكمالها من الجيران لجلوس المدعوين، ويعد (شكر العقد) وهو خليط من السكريات (جقليت وملبّس وحامض حلو) بعد شرائها من سوق السراي، ويجتمع أهل الختن قبل يوم لوضعها في ظروف رسائل من الورق الأبيض، ثم يلف ما يقرب من نصف عددها بمناديل حريرية ومناديل كبيرة مزركشة حمراء وزرقاء اللون كان عدد من كبار السن يستخدمونها لحمل الخضرة، وتعد الكلبدانات لرش ماء الورد، والشربت والسكاير للمدعوين الذين يتم دعوتهم شفهياً أو بإرسال بطاقات دعوة خاصة مطبوعة إلى بيوتهم.
يجتمع أهل المحلة والأقارب والمدعوون في اليوم الموعود قبل حضور القاضي، ويحضر كذلك والد العروس أو وكيلها على الأغلب مع شاهدين. وبعد تلاوة آيات من القرآن الكريم التي يذكر فيها شيء عن الزواج، يدخل القاضي مع الكاتب بعد صلاة العصر ليعقد القران، فيجلس أمامه وعلى جانبيه وكيل العروس والعريس أو والده، ويمسك أحدهما بكف الآخر ويضع القاضي منديلاً من الحرير الأبيض المطرز بآية الكرسي فوق يديهما، ويقرأ عليهما شروط الزواج من مقدم ومؤخر وعدد مثاقيل الذهب، ويعترف بذلك الوكيل والزوج بترديد ما يقوله القاضي الذي يكون قد ذهب إلى العروس مسبقاً وحصل على اعترافها، وترتفع أصوات الزغاريد (الهلاهل) فرحة بعد إكمال هذه المراسيم. ويهدى المنديل الحريري المزركش إلى القاضي مع عدد من ظروف شكر العقد داخل مناديل حريرية بيضاء تسلّم إلى الكاتب. ويبدأ توزيع شكر العقد على الحاضرين فيعطى للوجهاء كيس ملفوف بمنديل حرير وللرجال الآخرين كيس ملفوف بمنديل أحمر وأزرق، ويعطى للأولاد كيس بدون منديل. ويقف العريس مع والده عند باب البيت لتلقي تهاني الحاضرين وتوديعهم، ويرسل عدد كافي من المناديل والظروف إلى بيت أهل العروس ليوزعونها على أقربائهم وأصدقائهم وأهل محلتهم.
يعيّن يوم الزفاف يوم الخميس أو الاثنين بالاتفاق بين الأسرتين بعد أيام أو أشهر قليلة من مسك العقد، فتدعى العروس قبل الموعد مع أهلها وأقربائها من قبل صديقاتها إلى حمام المحلة، ولكل صديقة يوم يحجز فيه الحمام للعروس وجماعتها فقط. ويتم الدق والرقص والغناء طيلة فترة الاستحمام، ويجلب طعام الغداء إلى الحمام مع ما لذّ وطاب من الفاكهة. وعند الخروج يوزع (البخشيش) وهو هدايا نقدية على عمال الحمام كافة. أما العريس فيذهب مع أصدقائه الذين يسمون (شباب الختن) إلى الحلاق، وينقده مبلغاً أكثر من الاعتيادي. ثم يذهب إلى الحمام مع أصدقائه أيضاً وسط الهوسات والغناء، ويمنح عمال الحمام أعطيات أخرى. وفي مساء يوم الأربعاء تجري (ليلة الحنة) في بيت العروس للنساء، وفي بيت العريس للرجال حيث تقام منقبة نبوية (ملديّة) يتم بعدها الغناء والرقص، وتتقدم الغسالة في نهاية الحفلة لتحنّي كف الختن بالحنّة، وتحنّي إخوانه وأصدقائه الذين يضعون في الصينية التي تحملها مبلغاً من المال، فتدعو لهم بقرب الزواج. ثم تنتقل الغسالة إلى بيت أهل العروس لتحنّيها مع قريباتها وصديقاتها وسط الدق والغناء والرقص والهلاهل وهم يغنون:
بالله يا ميمتـو *** دتباهي بجلوتو
هذا محمد المدلل *** اليوم يوم حنّتو
وفي الصباح الباكر من يوم الزفاف المعلوم تدب الحركة في بيت العريس والعروس بشكل غير معتاد، فيتم شطف البيت وتنظيف مرافقه كافة، وتوضع الكراسي والقنفات لجلوس المدعوين، وتوضع قنفة كبيرة في صدر الإيوان لجلوس العروس عليها. وفي بيت العروس تأتي الحفافة قبل الظهر لتكمل عملها الذي بدأته على أكمل وجه، ثم الماشطة التي تمشط شعرها بدل (الكوافير) وتعمله على شكل كذلات، وتثبت في مقدمة الرأس مشط مذهّب، وأخواتها وصديقاتها يغنون لها:
يا ماشطا مشّطيها *** بسطوح العالي كعّديها
بالعكل لا تـألميها *** ومعلمـا عل الـدلالي
وقبيل العصر تودع العروس أهلها بدموع حارة وألم شديد، ويأتي أهل الختن ومعهم جمل أو فرس مجللة بالحرير منقوش لجامها، يقودها رجل منهم ويحف به عدة رجال مدججون بالسلاح، وهذه الزفة تتم للأسر الغنية، أما الأسر متوسطي الحال فيحملوها على (حسّاوية) مزينة، وتنقل مشياً على الأقدام في الحالات الأخرى تقودها امرأتان من اليمين ومن اليسار، ويحيط بالعروس جمع من النسوة وهن يغنين:
يا بيـت كسـّـابـا *** بالله افتحو البابا
جبنا العغوس والختن *** والشمع كن ذابا
ويهوّس الأطفال عند بيت العريس مازحين:
يمعوّد جبناها وجينا *** دست الايبرغ ما يكفّينا
وتستقبل أم الختن العروس عند عتبة الدار ومعها جمع من النساء حاملات القرآن الكريم في صينية فيها خضرة علامة الخصب والسعادة، فتقبّل العروس القرآن الكريم وتقبل يد أم الختن، ويبادر الجميع إلى تقبيلها. ويتم إيصالها إلى صدر الإيوان حيث مجلسها، فتجلس ساكنة لا تتحرك ولا تنبس بشفة والدواخ على رأسها. ويشتد الدق والرقص والغناء بعد قدوم العروس:
عالهي والله الهي والله *** عالهي والله الهي والله
أحنا دعينا والله أنطانا *** عالهي والله الهي والله
يا بو الورد، يا بو الورد، من هو ورد ؟ محمد ورد .. سعاد ورد .. عروسو ورد .. أبوه ورد .. أمو ورد .. أبوها ورد .. عمها ورد .. خالها ورد .. أمها ورد ..الخ.
وتخرج أم الختن بين حين وآخر من المطبخ وبيديها الجمجة والكفكير لتأخذ لها فنّة وسط الحاضرين وهي تقاطع الجمجة والكفكير فوق رأسها، ثم تعود لإكمال طعام العشاء للضيوف، ويقدم الطعام بعد ذلك وسط الفرح والغناء، وينصرف المدعوون قبيل صلاة المغرب. وتتناول العروس العشاء مع أم الختن وعمتها أو خالتها على استحياء، وبعد صلاة العشاء ينقلونها إلى غرفتها. ويأتي العريس بعد أن يتناول العشاء في وليمة يقيمها عمه أو خاله، ويصلي العشاء في الجامع مع أصدقائه، ويستقبله عند باب الدار والده وأعمامه وأخواله وأصدقاءه يهوسون ويصيحون (ورد حاق)، وبعد أن يقبّل الختن يدي والديه يتوجه إلى غرفته، ويسود الهدوء والسكينة أرجاء الدار خوفاً من أن يفزّ الختن ولا ينفع شيء. وتبدأ عند دخوله حياة أسرة جديدة قد يكتب لها بإذن الله (عز وجل) السعادة والرخاء، أو أسرة تعيسة قد يكتب لها التعاسة والشقاء عندما يكتشف الختن أن العروس التي كان يحلم بها مع نفسه هي غير التي تقف أمامه، وقد يفوض أمره إلى الله (عز وجل) ويرضى بقسمته، أو تبدأ مشاكل لا تنتهي إلا بالطلاق.
وفي صباح اليوم التالي المسمى (يوم الصبحية) يهدي العريس لعروسه مبلغاً من المال أو مصاغ ذهبي، ويخرجا إلى فناء الدار ويقبلا يدي والد العريس ووالدته، ويقدم الأب هدية نقدية أو ذهبية للعروس، وكذلك تفعل الأم. وتقبل العروس أهل البيت كافة وتجلس بينهم إذ أصبحت واحدة منهم. ويتوافد على البيت أقارب العروس والعريس من النساء ويقدمن (الصبحية) للعروس، ثم يتناولن الغداء ويبدأن في الدق والغناء والرقص إلى قبيل العصر. وفي اليوم الثاني تحضر صديقات العروس وقريباتها من البنات، ويبقين معها حتى تناول الغداء، ويبدأن بعده بالدق والغناء والرقص، وكذلك يفعلن في اليوم الثالث لكي لا تشعر العروس بالوحشة والشوق إلى أهلها. أما الختن فإنه يذهب مع أصدقائه إلى المقهى أو في سفرة إلى بساتين المدينة ويتناول الغداء عند أحدهم، ويعود قبيل المغرب إلى البيت، وتستمر دعوته كل يوم إلى الغداء في بيت أحد أصحابه إلى اليوم السابع.
وفي اليوم الرابع يتهيأ أهل العريس لآخر مناسبة كبيرة يدعون فيها جميع الأقارب والأصدقاء وتسمى (الأربعة أيام)، وتُقدّم أم العروس وقريباتها على المدعوات كافة وتجلس بجانب العروس. وتقام منقبة نبوية على الأغلب قبل الغداء، ثم يتم تناول الغداء الذي يشتمل على أنواع الطعام والحلويات. وبعد الغداء يجري الدق والغناء والرقص تجلي خلاله المغنية العروس والحاضرات في الحفلة، فتنهال عليها الفلوس والخلع والهدايا. وتقوم أم العروس بعد ذلك بمساعدة بناتها في تقديم الخلع المخصصة إلى والد الختن ووالدته وإخوانه وأخواته وأقاربه من العمام والخوال، وتشمل الخلع الخدم والغسالة والدلالة والسقاء وكل من في البيت، وتفتح كل بقجة وتعرض ما فيها على الحاضرات وسط الاستحسان والإعجاب، ومع هذا تعتذر الأم عن التقصير وتشكرها أم الختن على كثرة الخلع وجودتها. ثم تقدم كل امرأة (الصبحية) التي جاءت بها هدية للعروس، وتشمل ليرات ذهبية وقطع قماش ثمينة وحلي ذهبية وطاقات من القماش.
في اليوم التالي يقوم أهل الختن بتوزيع الحلويات من بقلاوة وشكرلمة وحجي بادة في مواعين فرفوري على الجيران والأقارب بمناسبة الفرح، وتتوالى الزيارات بعد ذلك إلى العروس حتى اليوم السابع حيث تدعوها أمها مع أهل الختن وصديقاتها إلى حمام المحلة، وتقوم الغسالة أو المغنية بجلي العروس ومدعواتها، ويجري الدق والغناء والرقص وسط الهلاهل والفرح. وتتكرر الدعوة في اليوم الخامس عشر من قبل أهل الختن أو إحدى الصديقات. وبعد مضي فترة على الزواج يدعو والد الختن الرجال من أهل العروس إلى حفلة عشاء، فيأتي أبوها وإخوتها وأعمامها وأبناء عمها مع رجال أهل الختن، ويتناولون العشاء سوية ويتعارف الطرفان. وعند حضور والد العروس تقبل العروس يده وكذلك يفعل العريس مع عمه الجديد. وبعد أيام عدة يدعو والد العروس أهل الختن إلى حفلة عشاء لتوثيق أواصر الصداقة والتعارف.
وكانت العروس لا تزور أهلها قبل مضي شهر أو أكثر على زواجها، فيأتي أحد أفراد أهلها ليصطحبها إلى دارهم في زيارة تسمى (زيارة العروس) وتمكث لديهم يومين أو أكثر، ويقدم لها أبوها وأمها وإخوتها هدايا الزيارة، ويدعوها خلال هذه الزيارة أقاربها لتناول الغداء أو العشاء عندهم. هذه تقاليد وعادات الزواج في الموصل كما أخذناها بتصرّف من كتاب تقاليد الزواج في الموصل لأستاذنا الكبير المؤرخ المرحوم سعيد الديوه جي. واستمرت بعض هذه العادات الجميلة إلى وقتنا الحاضر، وتطور بعضها الآخر مع تطور الزمن، فأصبح العريس يرى عروسه قبل الزواج ويخرج معها بعد عقد القران لزيادة المعرفة بين الخطيبين، وأصبحت حفلات العرس تقام في قاعات الحفلات التي جهزت لهذا الغرض بحضور العريس وأقربائه من الشباب. وعند ظهور السيارات وتوسّع المدينة كانت العروس تزف في سيارة تغطى مقدمتها بخلعة ثمينة، ويركب أهل الختن والعروس والمدعوون في سيارات أجرة تؤجر لهذه المناسبة، ويخصص باص خشبي لركوب الأطفال خلف السيارات الصغيرة. ويطوف ركب العروس شوارع المدينة المهمة قبل أن يوصلها إلى بيت أهل زوجها. وبعد ظهور الفنادق من الدرجة الأولى أصبحت تزف العروس مع العريس في سيارة واحدة إلى الفندق، يتبعهم أهل الختن والعروس والمدعوون في سياراتهم الخاصة. ندعو للمتزوجين بالرفاه والبنين وللعزاب بقرب الزواج بالزوجة الصالحة وقلّة النفقات.
1. الجلبات: هو يوم جلب العروس من بيت أهلها إلى بيت الزوجية.
2. يوم النقشي: هو اليوم الذي تنقش فيه العروس من قبل النقاشة بصبغ يديها وساقيها ونقشها بالحناء.
3. يوم النقلي: هو اليوم الذي تنقل فيه العروس من بيت أهلها إلى بيت أهل الزوج.
4. يوم الدخلي: هو اليوم الذي يدخل فيه العريس على عروسه لأول مرة في بيت الزوجية.
5. الحسّاوية: وتسمّى الحسّاوي أيضاً وهي حمار كبير الحجم.
6. الايبرغ: وهو طعام الدولمة باللغة التركية.
7. الدواخ: غطاء الرأس والوجه في فستان العرس