تأملات في القران الكريم ح463

تأملات في القران الكريم ح463
سورة الماعون الشريفة
للسورة الشريفة جملة من الفضائل والخصائص , لعل ابرزها ما جاء في كتاب ثواب الاعمال عن الباقر عليه السلام : من قرأ سورة أرأيت الذي يكذب بالدين في فرائضه ونوافله قبل الله صلاته وصيامه ولم يحاسبه بما كان منه في الحياة الدنيا .

بسم الله الرحمن الرحيم

أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ{1}
تستهل السورة الشريفة ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ) , خطاب للرسول الكريم محمد “ص واله” , هل عرفت الذي يكذب بيوم الجزاء ؟ , الآراء حوله تتردد بين ابو جهل وكفار قريش .

فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ{2}
تستمر الآية الكريمة ( فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ) , يدفع اليتيم بعنف عن حقه , في هذا الخصوص رويت روايتين فيه , الاولى : ان ابا جهل كان وصيا على يتيم , ذات يوم جاءه عريانا يسأله من ماله فدفعه , الثانية : ابو سفيان قد نحر جزورا , فجاءه يتيم جائع سائلا , فدفعه بعصاه .

وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ{3}
تضيف الآية الكريمة ( وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) , ولا يحث نفسه او غيره او يرغبهم في اطعام المسكين , يروي السيوطي في تفسيره الجلالين انها نزلت في العاص بن وائل او الوليد بن المغيرة .

فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ{4}
تستمر الآية الكريمة مهددة ( فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ) , يرى بعض المفسرين ان الفاء جزائية , بمعنى اذا كان عدم المبالاة باليتيم والمسكين يعد تكذيبا بالدين , فالغفلة عن الصلاة وعدم المبالاة في اداءها وحفظها احق و اوجب , لأنها عماد الدين , فترتب الويل عليها , ثم ان ليس كل المصلين مشمولين بالتهديد , بل :

1- الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ{5} : بل التاركون لها , او الذين يؤخرونها عن اول وقتها بدون عذر .
2- الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ{6} : او انهم يصلون رياء , طلبا للشهرة او الثناء .
” عن أمير المؤمنين عليه السلام يريد بهم المنافقين الذين لا يرجون لها ثوابا ان صلوا ولا يخافون عليها عقابا إن تركوا فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها فإذا كانوا مع المؤمنين صلوها رياء وإذا لم يكونوا معهم لم يصلوا وهو قوله الذين هم يراؤون” – تفسير الصافي ج5 للفيض الكاشاني – .
3- وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ{7} : ويمنعون اعارة ما لا تضر اعارته , كالفأس والماعون والابرة … الخ , او هو اداء الحقوق الواجبة في اموالهم لمستحقيها , فلم يحسنوا مع خالقهم , كما لم يحسنوا الى الخلق .
( عن الامام علي والامام الصادق عليهما السلام : هو الزكاة المفروضة ومرفوعا هو ما يتعاوره الناس بينهم من الدلو والفأس وما لا يمنع كالماء والملح .
عن الامام الصادق عليه السلام قال : هو القرض تقرضه والمعروف تصنعه ومتاع البيت تعيره ومنه الزكاة قيل ان لنا جيرانا إذا أعرناهم متاعا كسروه وافسدوه فعلينا جناح أن نمنعهم فقال لا ليس عليكم جناح أن تمنعوهم إذا كانوا كذلك ) . ” تفسير الصافي ج5 للفيض الكاشاني” .

سورة الكوثر الشريفة
للسورة الشريفة جملة من الفضائل والخصائص , لعل ابرزها ما جاء في كتاب ثواب الاعمال عن الصادق عليه السلام : من كانت قراءته انا اعطيناك الكوثر في فرائضه ونوافله سقاه الله من الكوثر يوم القيامة وكان محدثه عند رسول الله صلى الله عليه وآله في أصل طوبى .

بسم الله الرحمن الرحيم

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ{1}
تستهل السورة الشريفة مخاطبة الرسول الكريم محمد “ص واله” ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) , يختلف المفسرون في الكوثر , فمنهم من يرى :
1- نهر في الجنة , ترد عليه امة محمد “ص واله” .
2- الخير الكثير , في الدنيا والاخرة .
3- الشفاعة .
4- العلم .
5- النبوة .
6- شرف الدارين .
7- الذرية الطيبة “الحسن والحسين – ع – ” .
( عن النبي صلى الله عليه وآله إنه سئل عنه حين نزلت السورة فقال نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير وهو حوضي ترد عليه امتي يوم القيامة انيته عدد نجوم السماء فيختلج القرن منهم فأقول يا رب إنهم من امتي فيقال انك لا تدري ما أحدثوا بعدك .
عن ابن عباس قال لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله إنا أعطيناك الكوثر قال له علي بن أبي طالب عليه السلام ما الكوثر يا رسول الله قال نهر أكرمني الله به قال علي عليه السلام ان هذا النهر شريف فانعته لنا يا رسول الله قال نعم يا علي الكوثر نهر يجري تحت عرش الله تعالى ماؤه اشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل والين من الزبد حصاه الزبرجد والياقوت والمرجان حشيشه الزعفران ترابه المسك الاذفر قواعده تحت عرش الله عز وجل ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله على جنب أمير المؤمنين عليه السلام وقال يا علي هذا النهر لي ولك ولبينك من بعدي ) . ” تفسير الصافي ج5 للفيض الكاشاني” .

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ{2}
تضيف الآية الكريمة ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ ) , حافظ على الصلاة ودم عليها , ( وَانْحَرْ ) , يختلف المفسرون فيها , فمنهم من يرى انها :
1- ذبيحة العيد , على ان تكون الصلاة المأمور بها صلاة العيد .
2- مطلق الذبائح , ينبغي ذكر الله تعالى وحده عليها .
3- رفع اليدين بحذاء الوجه في الصلاة , يستدل القائلون بهذا الرأي على جملة من الروايات , منها :
أ‌) عن أمير المؤمنين عليه السلام لما نزلت هذه السورة قال النبي صلى الله عليه وآله لجبرئيل ما هذه النحيرة التي امرني بها ربي قال ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع وإذا سجدت فانه صلاتنا وصلاة الملائكة في السموات السبع فان لكل شيء زينة وان زينة الصلاة رفع الايدي عند كل تكبيرة .
ب‌) عن الصادق عليه السلام هو رفع يديك حذاء وجهك وفي رواية فقال بيده هكذا يعني استقبل بيده حذاء وجهه القبلة في افتتاح الصلاة .
4- ما روي عن الامام الباقر عليه السلام : انه سئل عنه فقال النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه ونحره .
الملاحظ والغريب في الموضوع , ان كثير من المفسرين يصرون على انه “الذبح” مع علمهم ان مفردة ( النحر ) تستعمل مع الابل , لا مع الذبائح الاخرى , فيشكل علينا القول “نحرت البقرة , او نحرت الجزور …الخ” , بل يصح ما جاء في القرآن الكريم حيث جاء فيه الذبح في عدة موارد :
1- مع ذبح الابناء من قبيل {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ }البقرة49 , {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ }إبراهيم6 , {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ }القصص4 , {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ }الصافات102 .
2- مع ذبح البقرة وغيرها من الحيوان {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ }البقرة67 , {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }المائدة3 , {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ }الصافات107 .
3- مع ذبح الطيور , كما توعد النبي سليمان “ع” بذبح الهدهد {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ }النمل21 .
لم تستعمل مفردة “نحر” في اي شيء من ذلك , فلا اعرف سبب اصرار اولئك المفسرين على رأيهم , مع العلم انها لم ترد في غير هذا الموضع من القرآن الكريم ، بالإضافة الى ان سياق الآية الكريمة يتكلم عن الصلاة ما يلزم أن يكون معنى ( وَانْحَرْ ) هنا متعلقاً بها ولا علاقة له بنحر الأبل أو ذبح الحيوانات فليس المورد موردها ولا السياق سياقها .

إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ{3}
تختتم الآية الكريمة مقررة ( إِنَّ شَانِئَكَ ) , مبغضك , ( هُوَ الْأَبْتَرُ ) , الذي لا عقب له , مبغضك يا محمد “ص واله” لا يبقى له حسن الذكر ولا ذرية يحملون اسمه , اما انت يا محمد “ص واله” فسيبقى حسن صيتك ويمتد نسلك .
مما يروى في سبب النزول , دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد وفيه عمرو بن العاص والحكم بن العاص فقال عمرو يا أبا الابتر وكان الرجل في الجاهلية إذا لم يكن له ولد سمي أبتر ثم قال عمرو إني لا شنئ محمدا أي ابغضه فأنزل الله على رسوله السورة ان شانئك هو الابتر يعني لا دين له ولا نسب . “تفسير القمي” .

ملاحظة:
يستحسن ان يقول القارئ بعد الآية الكريمة (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ{3} ) ” ربي لا تجعلني أبتر” .

حيدر الحدراوي