بغداد في مواجهة “فرهود” إقليم الشمال

بغداد في مواجهة “فرهود” إقليم الشمال

ثامر حميد

يطيب لبعض السياسيين الكرد، كلما دار الحديث عن تهريب النفط العراقي من كردستان والذي يمكن وصفه بأنه من سرقات وضح النهار، أن “يعيروا”(بتشديد الياء الثانية) القيادات العراقية العربية بعنوان “إنظروا كيف بنينا مناطقنا بينما ظلت مناطقكم خربة”. لا أحد يقول ان القيادات العربية قد احسنت التصرف بالثروة ولكن ذلك لم يكن ليغيظ بل يفرح القيادة الكردية التي دأبت على افتعال أزمة مع بغداد كلما أوشكت واحدة على الانتهاء. مشاكل مع الجعفري ثم المالكي ومن بعدهم العبادي وأقل من ذلك مع عبد المهدي الذي يبدو أنه أرخى الحبل لهم قبل أن تبرز الأزمة مجددا في ظرف استثنائي حيث وجدت القيادات السياسية العربية أنها في حيرة من امرها بسبب تراجع اسعار النفط إلى أدنى مستوى لها منذ ثمانينات من القرن المنصرم مما جعل مسألة توفير التمويل اللازم لدفع رواتب الموظفين والعاملين مسألة حياة أو موت ليس للشعب وحسب بل ولهم أيضا.
منذ سنين لاحظ أحد الكتاب البارزين أن القيادات الكردية تدمن خلق المشاكل مع بغداد وإلا كيف يمكن تفسير حقيقة أنهم دخلوا في صراع مع الحكم الملكي ثم مع نظام عبد الكريم قاسم ثم مع حكم البعث الذي طام ثلاثة أشهر في 1963 بعدها مع عبد السلام عارف وأخيه عبد الرحمن ثم مرة أخرى مع فترة حكم البعث الثانية بين 1968-2003 انتهاء بمن تولوا الحكم بعد 2003 مع ملاحظة أن الأنظمة التي ذكرت تختلف اختلافا جذريا بين بعضها البعض من حيث التوجهات السياسية العامة ومنها الموقف من قضية الكرد. هل هاته الأنظمة وتلك الزعامات العربية كانت كلها مصابة بداء العداء للكرد وأن الزعامات الكردية كانت تسيل براءة وطيبة نفس؟نترك الإجابة على هذا التساؤل للمختصين بتاريخ الصراع.

وعدا بعض الزعامات الشيعية التي كانت، لأسباب يعلمها هم فقط وصحبهم من القيادات الكردية، تغض الطرف عن سلوك القيادة الكردية حيال بغداد يبدو أن لهذه القيادة أيضا أذرعها الإعلامية التي تعرف كيف تسير (بتشديد السين) بعض عربان العراق ليروجوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي أخبارا تلهي العراقيين عن حقيقة حجم النهب الذي مورس بحق بقية سكان العراق منذ 2003. وفي تقرير صدر عن هيئة النزاهة مؤخرا قدر حجم الضرر المالي الذي اصاب بقية سكان العراق من تهريب النفط والسيطرة على موارد المعابر التجارية وموراد المطارات من قبل القيادة الكردية ب 128 مليار و 600 مليون دولار خلال الفترة منذ 2003. إن أخبارا كهذه لن تقرأها على صفحات ثرثاري الفيس بوك وتويتر فليس ذلك بشغلهم إنما شغلهم مخصصات “الرئاسات الثلاث” ومثلها عشرات ومئات من المووايل مضافا له كل ما تقذفه فضائيات “الحدث” وربعها المعروفين من ملوثات في فضاء العراق الإعلامي.
ولكن ما حقيقة “العمران الكردي” في مواجهة “الخراب العربي”؟
لنعد إلى التاريخ القريب الذي يتذكره الكثيرون. لن نبدأ بالحرب العراقية الإيرانية لأننا لا نعرف حجم الضرر الذي اصاب المناطق الكردية عمرانا وسكانا مقارنة بالمناطق العربية ولكننا نعرف أن العراق لم يصرف فلسا واحدا على إدامة البنية التحتية العراقية منذ بداية الحرب في 1980 حسب قول موظفين حكوميين كبار عملوا في تلك الفترة بسبب قلة الموارد المتأتية من صادرات النفط بعد أن أغلقت مياه الخليج بوجه الصادرات النفطية وكانت الموارد القليلة تذهب كلها لخدمة المجهود الحربي مع إيران. ولولا أموال دول الخليج التي تولت تعويض حصتة العراق المفقودة من الصادرات النفطية ثمم لتعود فتقلب ظهر المجن وتعتبر تلك االصادرات ديونا طالبت باستردادها لانهار العراق تحت ضغط النقص في الموارد.
ولنبدأ من حرب عاصفة الصحراء (1991) التي تلت احتلال الكويت. كلنا يعرف أن عاصفة جاهلية وليس فقط صحراوية قد أطلقت نحو العراق تطبيقا لكلام وزيرالخارجية الأميركي آنذاك كولن باول عندما قال: “سنعيد العراق إلى عصر ما قبل التصنيع” وهكذا فعلت الحملة الجوية الأمريكية التي شاركت فيها ألفا قاذفة والتي طالت شهورا ولم تترك مرفقا حيويا إلا وضربته بحيث أن حجم القنابل التي ألقيت على العراق تعادل من حيث قوتها التفجيرية كل ما أتستخدم اثناء الحرب العالمية الثانية وما استخدم في حرب فيتنام بشهادة الخبراء. كيف كان حال المناطق الكردية أثناء الحملة؟ لم تتلق ولو قنبلة واحدة ولم يكن العراق قادرا على إعادة بناء ما دمر بسبب نقص الأموال وما تم هو عملية ترقيعية فقط.
ثم تلا ذلك حملة جوية أخرى في عهد الرئيس كلنتون في 1996 وضربت مرة أخرى جل المواقع التي ضربت في المرة الأولى بل ضرب حتى مصنع لحليب الأطفال في أبو غريب. مرة أخرى لم تتلق المناطق الكردية ولو قنبلة واحدة.
أما عن الحصار الذي جوع الناس وعطل أكثر من عشرين ألف مصنع بسبب عدم قدرة العراق على استيراد قطع الغيار ثم انتهى الأمر باندثارها فقد استثنى المناطق الكردية التي كانت تدعم بحصة تمنح لهم مباشرة من برنامج “النفط مقابل الغذاء”.
ثم جاءت حملة التدمير الثالثة عشية احتلال الولايات المتحدة للعراق ونجت المناطق الكردية منها كما نجت من الحملات التي قبلها.
هذا الدمار الشامل والمتواصل من دفع ثمنه؟ ليست المناطق الكردية بل العربية. لذلك باي وجه تجوز المقارنة؟
وعند الحديث عن الأموال التي صرفت بعد 2003 لتحدثنا القيادة الكردية أولا عن حجم الأموال التي استلمتها من بغداد والتي جنتها من النفط المهرب ومن المعابر والمطارات ومن الضرائب التي يجب أن تذهب للخزينة المركزية وكم صرفوا منها على العمران وكم أستحوذت القيادت الكردية وعوائلهم وأحزابهم من أموال عندها يمكن الحديث والمقارنة بين تلك الأرقام وما صرف على المناطق العربية. ترفض القيادة الكردية اي تدقيق في كيفية صرف الأموال أو التدقيق بعدد موظفي الإقليم الذين يتقاضون رواتب من بغداد بينما يتدخل ممثلوهم في البرلمان الاتحادي بكل صغيرة وكبيرة تخص الشأن العربي. ونحن نتذكر كيف أن الكتل الكردية، هي وبعض أحبابها من الشيعة، وقفت ضد مشروع البنية التحتية الذي طرحته حكومة المالكي على البرلمان. كان هذا المشروع يتضمن بناء آلاف المدارس (6 آلاف) وملايين الوحدات السكنية ومجمعات تجارية وشوارع بالاتفاق مع شركات كورية وصينية على أن تدفع التكلفة بالمؤجل. اوقفها الأكراد وأصحابهم من أعضاء البرلمان العرب بحجة وجود “شبهة فساد” في مشروع لم يدفع به فلسا واحدا مقدما وكان مخططا أن تدفع تكلفته نفطا. و قد رأينا كيف أن السيد عادل عبد المهدي قد أعاد إحياء المشروع مع الصين قبل أن تنفجر بوجهه الاحتجاجات الجماهيرية فتتركته معلقا بين السقف والأرض بانتظار رئيس الوزراء الجديد الذي طال انتظاره.
وبالحديث قليلا عن طبيعة العمران في المناطق الكردية فإن العمران الحقيقي لا يتعلق بالعمارات والشوارع بل هو العمران الذي يشمل بالدرجة الأساسية القطاعات الانتاجية وأولها الزراعة والصناعية والبنية التحتية التي تخدمها من مواصلات واتصالات. ليس لدينا دراسة صادرة عن الإقليم تفصل في هذا الأمر لنصدر أحكاما ولكن المعروف ان المنتجات الاستهلاكية الزراعية والصناعية تكاد جميعها أن تكون مستوردة من الخارج وهي بذلك لا تختلف كثيرا عن حال المناطق العربية في هذا الشأن. اين الزراعة التي كان ينعم بها الإقليم في الستينات مثلا حيث كنا نرى “الحنطة الكردية” التي ياتي بها مزارعون لبيعها في مناطق الوسط واين عنب كردستان وتينه وتفاحه الذي كان يغزوا أسواقنا؟ وماذا فعل الإقليم خلال المدة التي سبقت وتلت 2003 لبناء صناعة كان بإمكانها أن تستحوذ على جزء كبير من السوق العراقية بدلا من البضاعة التركية والصينية المهيمنة وكانت هذه الصناعة، لو وجدت، لدرت على الإقليم اموالا تساوي اضعاف ما أخذ من بغداد وما هرب؟ هل كان هناك تخطيط لبناء اقتصاد يعتمد على ذاته يهيئ الأرضية للاستقلال العتيد الذي ما برحت قيادة أربيل تبتزنا به؟ ولكن يبدو أن قياة الإقليم وبالأخص قيادة اربيل تجد في دول الخليج وعلى رأسها الإمارات مثالا يحتذى حيث اقتصادات تعتمد الخدمات وإعادة التصدير كمصدر اساسي للدخل بينما يملك الإقليم تفوقا على هذه الدول من حيث الإمكانات المادية والبشرية الكامنة. ويعرف ذوي الشأن أن العلاقة الخاصة بين زعامة الإمارات وزعامة أربيل تقوم على مبدأ “من اجل أن تظل قويا لا بد لبغداد أن تظل ضعيفة” ويعملان سوية على ديمومة هذا الهدف. ولن نخرج عن الموضوع لو قلنا ان”المشورة الإسرائيلية” لهذا الغرض متوفرة لكلا الحليفين ولها ثمنها بالطبع المدفوع نقدا و”تطبيعا”.
وإذا نحونا ناحية السياسة فأي نظام سياسي بنى الحزبان المهيمنان الذين اقتسما سلطة الإقليم وثروته؟ هل هي تعددية حزبية حقيقية توفر الشروط الحقيقية للتبادل السلمي للسلطة وتوفر الحريات الأساسية وعلى راسها حرية التعبير والاجتماع؟ يمكن اللجوء لأحزاب المعرضة الحقيقية في كردستان ليقدموا الإجابة وعلى رأسها حركة “الجيل الجديد” بعد ان باعت حركة التغيير مبادئها “من أجل صحن من العصيدة”. فقد اكدت زعامة الحركة مرارا وتكرارا أن التزوير في الانتخابات (كما لدينا نحن العرب) انما هي ممارسة تقليدية لهذه الأحزاب ونحن نصدقها لأن الاحتجاجات الكبيرة التي حصلت في أربيل على وقف الرواتب باسم الإدخار والتي استمرت شهورا سبقت موعد إجراء الانتخابات لبرلمان كردستان قد انتهت بأن الحزب الديموقراطي الكردستاني قد حصل فيها على نسبة من الأصوات تفوق ما كان قد حصل عليه منذ 2003 وأزاح منافسة الاتحاد الوطني من العديد من المواقع! شعب يحتج على سلطة حزب أوقفت رواتبه رغم أنها استلمها من بغداد يعيد انتخاب ذلك الحزب بغالبية تزيد عن كل ما سبقها! وإذا نظرنا إلى الواقع السياسي الحالي في أربيل ماذا نجد؟ اليس حكم العائلة البارزانية؟ قال لي صديق عربي أن كرديا وثق به فأسره القول: “كان لديكم صدام واحد وذهب أما نحن فعندنا عشرات الصدامات” وهو محق إذ من سيرث (وقد ورث) حكم الإقليم بعد السيد مسعود غير أولاده؟ لقد تغير لدينا نحن العرب رؤساء أربعة وزارات منتخبين (استثنينا السيد علاوي المعين من قبل الحاكم بريمر) منذ 2003 ونحن بانتظار الخامس فما الذي تبدل عندهم على هذا الصعيد؟ ألم يحتكر السيد مسعود رئاسة الإقليم وابن أخيه رئاسة الوزراء ليحل محله ابنه فيما بعد عدا المناصب العليا التي يحتلها بقية ابناءه؟
يسكت جميع ثرثاري التواصل الاجتماعي عن هذه الحقائق ويشبعون القيادات العربية في العراق قدحا وذما. لماذا؟ رغم أن بعضهم خاصة ذوي الأسماء المعروفة نشك أن لهم حصة من سرقات الإقليم (ظهرت قبل بضعة سنوات قائمة بمئات الأسماء) وأنهم عندما ينطقون ينطبق عليه قول الرسول الكريم “يكاد المريب أن يقول خذوني” فهم ربما كانوا يخافون على فرصهم في الاستجمام صيفا بالإقليم. هنا يتكرر المشهد القديم لما قبل 2003 ولكن بصورة مختلفة. قبل ذلك التاريخ كان عليك، إن كنت مبدعا، أن تمدح لتحافظ على حياتك وأصبح مع القيادة الكردية اليوم “إصمت على ما تفعل تضمن لنفسك سياحة مريحة”.
ويفاخر بعض الإعلاميين الكرد وغيرالكرد المدرجين في قائمة الرواتب الكردية أن سلطة الإقليم قد حقق الاستقرار والأمن هناك. هم بالطبع مضطرون لأن يشيحوا بنظرهم عن السؤال الحقيقي: وما هي التحديات الأمنية والتهديدات والتدخلات الإقليمية التي تعرض لها الإقليم منذ أن اقتطع لهم الأمريكيون، بناء على نصيحة رئيس وزراء بريطانيا آنذاك جون ميجور، حصة من سماء العراق اسماها “سيف هيفن” في 1991 مقارنة بما تعرض له بقية العراق؟ قبل 2003 لا حصار بقساوة حصار بغداد و لا قصف متوال كما أسلفنا وبعد 2003 لا قاعدة و لا داعش و لا صراع بل حلف مع تركيا ولا تخريب سعودي قطري إماراتي بل تحالف و لاتدمير لشبكات الكهرباء والماء و لا قتل جماعي في الأسواق. إن الحرب على داعش لوحدها قد كلفت العراق 40 مليار دولار فكم كان حصة كردستان من هذه التضحية؟ لا شئ، لا أموال ولا مئات آلاف الشهداء ومثلهم من الثواكل وضعفهم من الأيتام بل استمر الحال
” ، أموال من بغداد ونفط يهرب ومنافذ “شغالةbusiness as usual
ترسل للعرب سيلا من البضاعة كثير منها ردئ أومنتهي الصلاحية يبيعها بعض التجار العرب الفاسدين. وأكثر من ذلك صرح أحد الضباط العاملين في المعبر الفاصل بين الإقليم والمناطق العربية أنهم الإقليم يسمح أحيانا بعبور اشخاص من جنسيات أجنية لا يحملون تأشيرة دخول للعراق.
ولو ذهبنا أبعد من ذلك وانصتنا لما قاله بعض مزارعي القمح في شمال صلاح الدين لأحد الفضائيات العراقية بشأن الحرائق التي تعرضت لها مزارع القمح في المنطقة السنة الماضية (وهي السنة الأولى في تارخ العراق وكذلك السنة الحالية التي يحقق فيها البلد اكتفاء ذاتيا من محصول القمح) فسنسمع أن من كان يقوم بالحرق كان يتصل بالمزارعين ويهددهم ما لم يدفعوا مبلغا من المال.من أين؟ أكد أحد هؤلاء أن الاتصال كان يأتي من متحدث في أربيل وعندما سأله المراسل مشككا قال له أنه يعرف مزارعين ذهبول إلى أربيل ودفعوا ما طلب منهم فسلمت محاصيلهم من الحرق. هل كان هؤلاء المزارعين يكذبون؟ ما مصلحتهم بذلك فهم أناس بسطاء لا شأن لهم بشئ اسمه “الخلاف بن أربيل وبغداد”. أو ليست أربيل ملاذا آمنا لكل مطلوب من القضاء العراقي؟
إن من يتحجج في أن داعش قد هددت أربيل نقول له أن داعش قد كافئت قيادة أربيل على ذلك بعد ان سلمتها السيطرة على ما سمي ب “المناطق المتنازع عليها” ومنها 6 أبار للنفط شمال كركوك انسحبت منها داعش فاحتلتها بيشمركة الحزب الديموقراطي وبدءت بسرقة نفطها ( نقلا عن آلاء الطالباني في مقابلة تلفزيونية قبل أن يقدم العبادي على السيطرة على كركوك). ألم يقل السيد مسعود وقتها أن حدود الإقليم “ترسمها حدود الدم” متبجحا بالتضحيات التي قدمتها البيشمركة ضد داعش والتي قبض ثمنها نفطا وسيطرة على أراض عراقية “متنازع عليها” وهو تعبير استنسخ من لغة قادة إسرائيل في وصفهم للأرض الفلسطينية التي يحتلونها؟ هربت بيشمركة السيد مسعود أمام تقدم قوات مكافحة الإرهاب فاتهمت أربيل السليمانية بالخيانة لأنها سحبت قواتها فردت الأخيرة أنها تجنبت حصول حمام دم وقد كان تصرفا عاقلا من السليمانية يذكر فيشكر. ونحن نتذكر كيف أن ضباطا في بيشمركة السيد مسعود خرجوا على الفضائيات يصفون الجيش العراقي بالجبن لأنهم لم يتصدوا لهجمة داعش في الموصل في 2014 فاين كانت شجاعتهم في مواجهة نفس الجيش في كركوك؟وقبل ذلك أين كانت شجاعتهم عندما انسحبوا من سنجار أمام داعش وتركوا النساء والأطفال الأزيديات سبايا عند هذا التنظيم الإرهابي؟ لقد برر أحدهم ذلك بالقول أن أربيل كانت مهددة من طرف داعش وهو صحيح ولم ينقذها من السقوط غير المساعدة الإيرانية العاجلة باعتراف السيد مسعود بعد أن خذله الأمريكيون فنعود فنقول: “وأين كانت مئات آلاف البيشمركة الذين يتقاضون رواتب من بغداد وأين الأسلحة التي استولوا عليها من مخلفات الجيش العراقي بعد 2003 ليعودوا ويستولوا على معدات أخرى تابعة للقطعات التي انسحبت من الموصل ومحيطها؟
ونحن نتحدث عن العبادي وعمله البطولي في استعادة كركوك فأصبح محل كراهية الإقليم فقد سأله أحد الصحفيين يوما: “ماذا لو وافقتم على إستقلال الإقليم؟” فرد عليه العبادي بأنه سيكون سعيدا بذلك ولكن عليه أن ينظر إلى خارطة حدود الدولة التي تطالب بها قيادة الإقليم فهي تضم مساحات واسعة لم تكن يوما ضمن المناطق ذات الغالبية الكردية. إن من يستولي على أراض في ظرف عصيب يمر به الشعب والوطن ليست هي أيضا قضية تقلق ثرثاري شبكات التواصل الاجتماعي أصحاب “ماكو وطن ماكو دوام” من محبي الاستجمام في الإقليم فالأرض وسكانها ليست مهمة عندهم بقدر الدولارات ومن أخذ منها أكثر ومن أعطى منها أقل.
وتواصل قيادة أربيل إرسال وفد تلو الآخر إلى بغداد “للتفاوض”. على ماذا إذا كانت أربيل تنقض كل اتفاق تتوصل إليه مع بغداد وترفض تسليم ما ب”ذمتها” من أموال النفط المتفق على تصديره من الإقليم ؟ اتفقت بغداد وأربيل على تسلم الأخيرة لبغداد ما قيمته 250 ألف برميل يوميا ولم تفعل في وقت أكد فيه وزير النفط ثامر الغضبان أن الإقليم كان يصدر ما يعادل 450 ألف برميل نفط يوميا بينما يرفع الخبير النفطي حمزة الجوارهي الرقم إلى 600 ألف. وما الذي سيطرح المفاوض الكردي على بغداد سوى معادلة “خذوا 100 وأعطونا مقابلها 200″؟.
إن قيادة الإقليم لطالما تصرفت كخصم لبغداد بل كعدو إذا اعتبرنا أن إيوائها للمطلوبين للقضاء العراقي واتخاذها موقفا مضادا لموقف بغداد في كثير من القضايا التي تخص العلاقة مع بعض الأنظمة العربية خاصة الخليجية التي عادت العراق وصدرت تصريحات عديدة من بعض قادة أربيل ترفض فيها قرار البرلمان الاتحادي (الذي هو بمثابة قانون) يقضي بطلب سحب القوات الأمريكية من العراق. لقد اتبع الإقليم على الدوام سياسة خارجية خاصة به على عكس ما يقره النظام الاتحادي.
وغم ذلك كله فإن ما يأتي من الإقليم ليس كله أخبار محزنة فقد سمعنا أن اطرافا من الاتحاد الوطني الكردستاني تتهم قيادة أربيل بالاستحواذ على ثروات الإقليم بل أن بعضها ذهبت نحو المطالبة بفك الارتباط الإداري بين السليمانة وأربيل. إن سياسة التنازل المستمر أمام الإقليم قد اثبتت فشلها وكان السيد نوري المالكي قد بين في أواخر فترة وزارته الأولى أن ما كان يعرف بالتحالف الشيعي الكردي يعود لأيام المعارضة وأن زمنه قد ولى لأن استمراره يعني أنه موجه ضد السنة وهذا ليس واقع الحال. لذلك كما أن على بعض الأطراف الشيعية أن تتوقف عن التضحية بمصالح بقية العراق لصالح إرضاء القادة الكرد على بعض القادة السنة أن يتوقفوا عن “مجاملة” أربيل.
بين الحين والحين نجد في مواقع التواصل من يروج للعلاقة مع إسرائيل (الأرجح أنها مواقع إسرائيلية تتخفى بعنوان عراقي) فيستجلب تجربة “الفرهود اليهودي” في الخمسينات غير أن الفرهود اليهودي سوف يحجم عن الكلام استحياء عندما يطرق مسامعه “الفرهود الكردي” ونقصد به تحديدا فرهود أربيل وليس الشعب الكردي المبتلى.