بذور الإرهاب.. نبت تربتنا ام زراعة الأعداء؟

لا تنقطع النقاشات حول ظاهرة الإرهاب وما إذا كانت على صلة بالإسلام كدين، أم بمسلمين فهموا دينهم على نحو خاطئ؟ أو أنها نشاط غريب عن الأثنين اختلقته جهات معادية لهما؟ ولست في وارد مناقشة الفرضية الأخيرة كونها أكثر سذاجة من أن تناقش مناقشة جدية، رغم عدم استبعاد إمكانية استفادة جهات معينة من الإرهاب، وربما سعيها لتغذيته بهذا الشكل أو ذاك. لكن انبعاث الإرهاب وتعاظمه تربطه جذور متينه الى عوامل تتعلق بالسبات الحضاري الطويل الذي استغرقت فيه المجتمعات الإسلامية، وعجزها على مدى قرون طويلة، عن تطوير فكرها الديني. والإرهاب بهذا المعنى نتاج للإسلام كفكر وللمسلمين كحاملين لهذا الفكر.
الإسلام مثل الديانات الابراهيمية الأخرى، حمل مفاهيم وقيم الأزمنة التي ظهر فيها، فالموقف من استخدام العنف، من العبودية، من التمييز ضد المرأة، ومن صاحب الفكر أو الدين الآخر، في جميع تلك الديانات يحمل بصمات عصور ما قبل المدنية الحديثة، عصور كان فيها الغزو وما ينتج عنه من غنائم أمرا مشروعا، عصور لم تر في استعباد الأنسان أمرا مستغربا، وفي طاعة المرأة للرجل أمرا غريبا.
ويمكننا أن نجد تثبيتا لهذه القيم والمفاهيم في الكتب المقدسة للديانات الابراهيمية الثلاث وسيرة موسى، وكذلك فيما ينسب للمسيح من دعوة العبد الى طاعة سيدة، والمرأة الى طاعة زوجها، وربما هي أكثر بروزا في القرءان وفي سيرة نبي الإسلام، والأحاديث المنسوبة إليه.
ولكن بالتزامن مع فترات السبات الفكري الطويلة التي غط فيها العالم الإسلامي شهدت أوربا التي تحولت الى حاضنة للفكر المسيحي نهوضا حضاريا عظيما، صاحبته نهضة فكرية عملاقة، مكنت من تطويع الخطاب الديني عبر تأويله بما يتوائم مع القيم التي أنتجها النهوض الحضاري، وابرزها قيم الحرية والتسامح والمساواة.
في هذه الأثناء كانت شعوب العالم الإسلامي تعيش أمية مريعة، وكانت الفئات المحدودة التي يطلق عليها وصف الفئات المتعلمة تتلقى تعليما دينيا أساسه الحفظ والتلقين، والأتباع والتقليد.. وتواصل استبعاد المرأة الى حد شبه كامل حتى من هذا التعليم الهزيل.
واستمرت الحال على ما هي عليه حتى خمسينات القرن الماضي حيث جرى تعميم التعليم العام، مصحوبا بعمليات لمحو الأمية. وكان الاختلاف بين التعليم العام والتعليم الديني التقليدي محدودا من حيث اعتماد التعليمين أسلوب الحفظ والتلقين، ورد كل ما لا نعرفه الى حكمة إلهية. فزخرت مجتمعاتنا بأنصاف المتعلمين الذين توهموا بانهم قد نالوا ما يكفي وريما ما يزيد من المعرفة.
ولاحظ هؤلاء حجم الهوة الواسعة التي تفصل مجتمعاتهم عن المجتمعات الغربية من حيث الرخاء والقوة الاقتصادية والعسكرية، وفسر ذلك بطريقتين. الأوساط المتأثرة بالفكر الاشتراكي ردت الأمر الى استعمار الغرب للعالم الإسلامي ونهب ثروات الأخير، فشحنت جمهورها بالعداء للغرب، والأوساط المتمسكة بالفكر التقليدي ردت أمر التخلف الى مروق المجتمعات الإسلامية، بتأثير “الغرب المنحل” عن قواعد الإسلام الصحيح، فعمقت الكراهية للغرب، وعادت تبحث عن “الإسلام الصحيح” في القرءان وفي بطون كتب الفقه الديني التي كتب أغليها قبل أكثر من ألف عام. وارتباطا بعدم قدرتها على التعامل مع النصوص الدينية تعاملا فكريا خلاقا، كذلك الذي جرى في الغرب خلال عصر النهضة مع النصوص المسيحية، عادت مع تلك النصوص الى القيم والمفاهيم التي كانت سائدة قبل 1400 عام فيما يتعلق بمشروعية استخدام العنف، وتكفير الآخر واستعباده، وامتهان المرأة وحقوقها.
في تلك النصوص الكثير مما يحرض على إزالة المخالف (المشرك، الكافر، اللا ديني، من لا يحكم بما أنزل الله، من يفتئت على الله وينتزع منه سلطة التشريع ويمنحها للإنسان قاصر العقل وغير الملم بالحكمة الإلهية) إزالته أو اخضاعه بالجهاد، لمغادرة حكم الجاهلية والعودة الى نور الدين. والجهاد لا يستبعد القتل والسبي والغنائم.
الإرهاب إذن هو وليد التلاقح بين الجهل الفكري لمسلمين ونصوص دينية إسلامية. لذلك يكون من العبث نفي العلاقة بين الدين ـ الذي لم ينظر اليه بمنظور حضاري جديد ـ وبين الإرهاب، ولا اعتبار الإرهابيين جماعات خلقتها جهات أجنبية معادية. و نعود الى التأكيد على أن ذلك لا ينفي أن جهات معادية يمكن أن تستفيد فعلا من جرائم الإرهاب وتغذيها.

عبدالله عطية