الوجه الثاني للسياسة الامريكية

لا يختلف اثنان مطلعان على اساليب تصرف الحكام الامريكيين وعبر تاريخ الولايات المتحدة لما بعد النصف الثاني من القرن الماضي سيما في السياسة الدولية وتحديدا في الشرق الاوسط بان تلك السياسة اعتادت ان تظهر بوجهين مختلفين وكثيرا ما استطاعة ان تتخفى وبمكر خلف مزاعم الحياد وتبني المبادئ الديمقراطية والحريات العامة بين الشعوب وتتغنى بحقوق الانسان لكن تلك المزاعم وخصوصا بعد ما سمي بربيع الثورات لم يعد من تستر للتخفي خلفها فسياسة تحريض الشعوب على بعضها البعض طبقا لقاعدة (فرق تسد) وما اتبعته تلك السياسة واعتبارا من منتصف القرن الماضي من شق العرب والمسلمين فيما بينهم ليتاح لها ولإسرائيل ديمومة الهيمنة على هذه المنطقة الا ان ما افرزته احداث ما سمي بربيع الثورات وكما ذكرنا اضحى واضحا للعيان فتلك السياسة التي هيمنت ولزمن طويل بمزاعم الوسيط للقضية الفلسطينية وادعاء الحياد بين الوجود الصهيوني والحق الفلسطيني واستخدام المنظمات الدولية تحت يافطة حقوق الانسان لتستطيع ان تبرئ هذا وتدين ذاك طبقا لمشيئتها افتضح كل ذلك في هذه المرحلة فتوظيف اموال الخليج التي اعتادت ان تتقاسمها مع بعض مشاييخ تلك المنطقة لتوظفها لدعم الرأس مال الامريكي واسرائيل واستخدام بعض الحكام العرب لتنفيذ سياساتها وان تتبعت أساليب الساسة الامريكيون فانهم اصبحوا لا يخفون لا بل ويعلنون على رؤوس الاشهاد بالدعوات العلنية للحروب وبان من حقهم ان يمتلكوا القوة لديمومة تزعم المجتمع الدولي وان هؤلاء الساسة يضعون الخطط للسيطرة على العالم فترى كيف ان هذين الوجهان يظهر احدهما بمظهر تبني الديمقراطية ومبادئ حقوق الانسان على خلاف الحقيقة في حين اضحى في الفترة الاخيرة هو الوجه الحقيقي والقبيح اكثر وضوحا سيما في الشرق الاوسط حيث المصالح العلنية والمكشوفة فتبني الولايات المتحدة للحروب في جنوب شرق اسيا ربما يبرره البعض تحت مزاعمها بوضع حالة الدفاع عن البر الامريكي في المحيط الهادي بنتيجة الحروب التي حصلت بينها وبين اليابان وفي حقيقة الامر كانت الولايات المتحدة منغمسة الى اذنيها بنهب خيرات تلك الشعوب ووضع يدها على تلك البلدان كمستعمرات لنقل المواد الاولية وايجاد الاسواق لبيع منتجات اصحاب الرساميل الامريكيين وعندما تم لها تصفية كافة اوجه المقاومة في جنوب شرق اسيا واوجه الامتناع للانصياع للمطامع الامريكية عدا الصين وكوريا الشمالية اللتان تمت محاصرتهما في حقيقة الامر رغم ضخامة الاخيرة التي اصبحت الولايات المتحدة مدينة لها أخيرا فابتدأت الولايات المتحدة بسياسة تتبنى تغييرا جذريا في منطقة الشرق الاوسط وعبر ما تبشر به بما تسميه بربيع الثورات وابتدأت ذلك بحربها مع العراق ثم انسحابها وتوريطه بمواجهة القاعدة ومع ذلك الانسحاب بدأت حركات (راديكالية) ظاهرها تتبنى المبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان في كل من تونس وليبيا ومصر واليمن وانتهت في مجيء حلفاء جدد للولايات المتحدة ثم اصبحت المواجهة علنية وعنيفة اخيرا في سوريا مع ان اغلب المراقبين للأحداث يعتبرون ذلك البلد هو الهدف الاساسي للسياسة الامريكية لأهمية موقعه وتأثير ذلك الموقع على اسرائيل وفي الوقت الذي تزعم فيه الولايات المتحدة بانها لم تزود الارهابيين بالسلاح سيما الذي يستخدم لمقاومة الطائرات الا ان الجيش العربي السوري استطاع ان يعثر في بقايا اوكار الارهابيين عند هروبهم على صواريخ (سنغر) الامريكية الصنع فزعم الساسة الامريكيون بان كل من السعودية وقطر لديها مثل ذلك السلاح واعترفت الولايات المتحدة اخيرا بانها تراقب الامكانات السورية العسكرية وبشكل تجسسي من قاعدة (انجرلك) التركية والولايات المتحدة لا تجد حياء او حرجا من تغيير المعايير التي تتبعها وتعلنها بين يوم واخر فهي ترفع صفة الارهاب عن منظمة مجاهدي خلق الايرانية لتوظف تلك المنظمة ضد ايران تبعا لما تتطلبه مصلحة اسرائيل وعندما يسمع المرء بان امريكا ترسل محققين للتحقيق فيما تسميه بجرائم الحرب في سوريا تتملكه السخرية فجرائم الحرب التي ترتكب من قبل اسرائيل يوميا بحق الشعب الفلسطيني لا ترسل المنظمات الدولية بنتيجة الموقف الامريكي للتحقق من تلك الافعال الشنيعة فإسرائيل مصلحتها بنظر اغلب المراقبين للأحداث تفوق مصلحة الشعب الامريكي نفسه واسرائيل التي تخترق حياد دول متعددة وترسل طائراتها لآلاف الكيلومترات لتقصف معملا سودانيا قرب الخرطوم والساسة الامريكيون يلتزمون الصمت اتجاه ذلك ولكن ما ان يصرح مقرر الامم المتحدة بان على المؤسسات والدول ان لا تتعامل مع الشركات التي تنفذ السياسة الاستيطانية في فلسطين فتقول (رايز) ممثلة امريكا في مجلس الامن بان وجود السيد المقرر للمنظمة الدولية لم يعد مقبولا كونه افتقد الحياد في ما صرح به وكلمة الحياد تلك ليست تثير السخرية فحسب وانما تثير حنق الانسان الشريف والمنصف فأي حياد تلتزمه الولايات المتحدة والذي صرح بعض رؤسائها فيما مضى وخصوصا جورج بوش الابن محددا سنة واحدة لإقامة الدولة الفلسطينية في حين تراجع الحكام الامريكيين الان ليس فقط بفقدان المسار لما فرضته قرارات مجلس الامن بإقامة دولتين على ارض فلسطين وانما يقفون صراحة بوجه الامم المتحدة بقبول دولة فلسطينية غير عضو في تلك المنظمة فإذن اين هو الحياد وهل يتصور هؤلاء الساسة بان الناس تنسى تلك التصريحات وتقبل هذا التقلب في الاهواء وكانت المناظرة الاخيرة للرئيس اوباما ومنافسه رومني شجعت نتنياهو على ان يحصل على استفتاء بطرد عرب فلسطين لعام 1948 الى الضفة الغربية وباعتبار تلك الضفة ارض غير محتلة مما يتيح له توسيع المستوطنات وفعلا حصلت اختلافات فيما يخص السياسة الخارجية عدا ما يتعلق بتأييد اسرائيل حيث وصفا ذلك الكيان بانه الدولة الصديقة الحليفة والامينة وعندما سمعت بان الولايات المتحدة ارسلت محققين الى بيروت للتحقق من حادثة اغتيال اللواء وسام الحسن وهنا يتساءل المرء اولا ان الولايات المتحدة ترسل المحققين الى هذه الدولة او تلك بغية التهديد وإثارة العنف بين الشعوب مع انها ابعد ما تكون عن اوجه الحياد في النزاعات الدولية وان الفاعل في قضية وسام الحسن وصاحب المصلحة في ذلك هي اسرائيل وهل يستطيع اولئك المحققين ان يقولوا الحقيقة عن ذلك مع ان الولايات المتحدة مستعدة ان تتحمل المسؤولية على نفسها دون ان تلحق بإسرائيل اي شيء وكان ما يتوخاه الاسرائيليون من حادثة اللواء وسام الحسن هو اقالة حكومة ميقاتي كحكومة معتدلة وهو ما بدأت الولايات المتحدة تحرض عليه الاطراف للسير بهذا الاتجاه الان بغية جر لبنان الى حمأة الاقتتال خلافا للسياسة التي اتبعتها تلك الحكومة بالنأي بنفسها عن الانجرار لما يجري في جارتها سوريا وفي كل يوم يمر الان يتكشف الوجه الذي اختبئ طويلا تحت اوجه مختلف الرياء والنفاق ففي برنامج (الجهات الاربع) الذي عرضته قناة الحرة مساء يوم 27/10/2012 لمناقشة السياسة الخارجية لمرشحي الانتخابات الامريكية في مناظرتهما الاخيرة ومما يلفت النظر الى اقوال ممن كانوا يؤيدون دعم الكيان الصهيوني من اولئك المحللين حيث يقول احدهم ان اسرائيل نجحت في تجربتها الديمقراطية وانها دولة موحدة في حين الفلسطينيين منقسمين الى كيانين ولم يتبنوا الديمقراطية وبان الفلسطينيين يتمسكون بالعودة في حين الاسرائيليين هم مقيمين ولا يفسحون المجال لتلك العودة كما يقول ذلك المحلل اللوذعي مبررا السياسة الصهيونية في المنطقة بان اسرائيل تستند الى ارث تاريخي واسألكم بالله لو صدر هذا الكلام من طالب ذكي في الاعدادية ومطلع على شيء بسيط من دراسة التاريخ هل تقتنع بشيء منه فاليهود الذين اتوا الى فلسطين هم نتاج الحضارة الغربية ولابد للديمقراطية اذا ما اريد لها ان تزدهر ان تتوفر لها مسألتين اساسيتين الامكانات المعاشية لسكانها والتجربة السابقة وهاتين المسالتين متوفرتين لليهود في فلسطين حيث انهم جزء من المجتمعات الغربية في حين الفلسطينيين شعب كان مستقرا في وطنه وداهمه الاحتلال البريطاني ودفعته عصابات (الهاكانة) وامثالها الى خارج ارضه واصبح ضحية لمختلف انواع التآمر وشراء ذمم الحكام العرب ووضع الدراسات لتشتيته حتى اصبحت اسرائيل وبدعم امريكي تقف بوجه اي تقارب بين حماس والضفة الغربية وهكذا فإن المتلاعبين بالألفاظ ومن يتبنون قلب الحقائق التاريخية اصبحوا الان يزعمون بان اليهود في اسرائيل هم المقيمون في هذه الارض اما الفلسطينيون هم الذين يرومون العودة ويقول ذلك المحاور ان التبني لأحداث المستقبل في ما يخص القضية الفلسطينية بالنسبة للفلسطينيين يراهنون على العدد السكاني والمحيط العربي الاسلامي واوجه تطور هذه المنطقة في حين يراهن الاسرائيليون على التمدد على الارض واضافة اراضي اخرى وهذه المقولة صحيحة في شقها الاول ولكن علينا ان نقف امام الجملة الاخيرة منها التي تعطينا تفسيرا واضحا للتراجع الامريكي عن مصطلحاته التي كان يسميها بإقامة الدولتين والعودة للفلسطينيين وما سواها من الاقوال حيث تغيرت معالم الكلمات تلك لتتحول بتأييد (نتنياهو) نحو التوسع والاستيطان وفقا لما ذكره ذلك المحلل اما عبارة كون اسرائيل تستند الى ارث تاريخي فهي المهزلة بعينها اي ارث هذا الذي يتكلمون عنه فإذا كان الارث الذي زعمه (هرتزل) مع اول تبني دعوته العنصرية التي نمت مع نمو الافكار الفاشية في اوروبا ابان وحدتها القومية في القرن الثامن عشر سيما في كل من المانيا وايطاليا لدعواته بالعودة لأرض الميعاد والتي انتهى اي وجود لليهود فيها منذ اكثر من الفين وخمسمائة عام فتلك لم تأت في حقيقة الامر استنادا لهذه المزاعم وانما عبارة عن حملة جديدة دفعت بها الدول الاستعمارية الى الشرق الاوسط لتكون قاعدة امامية لتلك الدول لحماية مصالحها وقد برهنت الاحداث منذ وجود اسرائيل في هذه الارض ولحد الان كيف قامت واسدت اكبر الخدمات للمصالح الغربية بشن الحروب والوقوف بوجه التجارب الوحدوية وربما وصلت الان اسرائيل الى اخر مراحل وجودها في هذه المنطقة حيث ادرك الغربيون بان لا يمكن لهذا الكيان ان يتعايش مع سكان الشرق الذي ابتلى وعبر عهود طويلة بموجات بشرية متتالية قادمة من الغرب وتنتهي بالاندحار فيما بعد فلا يمكن لكيان اوجدته المصالح الغربية ومهما برر وجوده وباي شكل ان يستمر في خضم من الكراهية والمقت بسبب موقف ساسته وربما افضل تجربة يعيشها العرب الان هو موقف الولايات المتحدة بتقسيمها العرب والمسلمين على اساس طائفي حيث يزعم احد اولئك المتحاورين بان ايران تبنت القاعدة وتسليحها لفترة ما وفي المستقبل لابد ان تلتقي مع الاصوليين السلفيين من الطوائف الاسلامية الاخرى فإذن الساسة الامريكيين لا يجدون حرجا في (فبركة) الامور بالشكل الذي تظهر وكأنها تخدم مصالحهم ولكن من المؤكد وطبقا للمعطيات فان ساسة الولايات المتحدة وبعد ان انكشفت اساليبهم لا يستطيعون السير في الامور الى النهاية التي يعتقدونها صحيحة فهم حاولوا ان يجعلوا من الاخوان حلفاء لهم وقاموا بسرقة الثورات الليبرالية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن ليوظفوها لحركة الاخوان المسلمين ولكن الظواهري صرح يوم 27/10/2012 طالبا وكما يقول من كافة الفصائل الاسلامية ان تتوحد في سوريا ضد النظام القائم كما طلب من محمد مرسي ان يحدد موقفه علنا حول اسرائيل وعلاقته بالغرب والاوضاع في المنطقة فإذن وبعد ان تكشفت الامور فإن لعبة (الفوضى الخلاقة) في الشرق الاوسط انقلبت على القائمين بتصديرها الى هذه المنطقة صحيح ان القاعدة هي صنيعة الولايات المتحدة وانها رأس الحربة التي توجهها وتستخدمها احيانا لإضعاف مصادر القوة بين الشعوب الا انه في حصيلة الامر ان الخطر اصبح جميع العرب والمسلمين يحددون مصدره في امريكا بنهب ثروات اوطانهم واثارة الاقتتال فيما بينهم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.