الوان حسينية اللون الأسود (الموالي)

الوان حسينية : اللون الأسود (الموالي)
بيع الانسان لأخيه الإنسان وشراءه كأي سلعة تنتقل من يد الى أخرى بعد دفع الثمن كان سائداً في تلك الحقبة ، باع الإنسان أخيه الإنسان كعبد ، مملوك بيد مالكه السيد الحر ، ينتقل بالوراثة مع كافة ممتلكات السيد بعد وفاته ، إلا إن العبيد ليس عليهم الحرب أو الدفاع عن السيد ، لأن ذلك كان يعتبر منقصه ، فالسيد لا يليق به أن يختبأ خلف عبيده ، إلا ما ندر وشذ .
بعض السادة الأحرار كانوا منصفين نوعاً ما ، استبدلوا كلمة (عبد) بكلمة (مولى) بمعنى الحليف أو الناصر أو التابع مداراةً لمشاعر العبيد ونوعاً من أنواع رد الاعتبار لهم وشيئاً من الكرامة ، خصوصاً بعد أن حث الإسلام على عتق العبيد ووضع الأجر الوفير والثواب الجزيل لمن يفعل ذلك ، كما أدخل الإسلام عتق العبيد في الحدود والكفارات ((فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ{11} وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ{12} فَكُّ رَقَبَةٍ{13} أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ{14} يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ{15} أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ{16})) البلد ، {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }المجادلة3 .
طف كربلاء ، وبالتحديد معسكر الحسين “عليه السلام” شهد حضوراَ مشرقاً لهذه الفئة ، لكن أحداً لم يطلق عليهم كلمة (عبيد) ، بل كانت كلمات كـ (المولى – الموالي) هي السائدة تأدباً واحتراماً للإنسان ، فلا فرق بين حر وعبد ، ولا فرق بين إنسان وأخر ، فالإسلام لم يعر للون البشرة أي إعتبار وجعل التقوى هي المعيار الوحيد الذي يقاس به الإنسان {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13 ، المسلمون أخوة في الترابط والتواصل (المسلم أخو المسلم، لا يخونه، ولا يكذبه، ولا يخذله) وبالتالي (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا) .
حضر واقعة الطف ونال شرف الشهادة فيها نخبة مشرفة من طبقة الموالي ، سالت دمائهم الطاهرة على أديم كربلاء ، وامتزجت مع دماء العترة الطاهرة ودماء أصحاب الحسين “عليه السلام” بعد أن سطروا أروع ملاحم النبل والإنسانية ، كلاً منهم سجل له موقفاً مشرفاً فكان مصباحاً منيراً على مدى الزمان.
اسمائهم كما تم تدوينها :
1- نصر(مولى الإمام علي “عليه السلام”)
2- أسلم التركي (مولى الحسين “عليه السلام”)
3- جون (مولى أبي ذر الغفاري)
4- الحرث (مولى حمزة)
5- الحباب (مولى عامر التميمي)
6- رافع (مولى مسلم الأزدي)
7- سالم (مولى عامر العبدي)
8- سالم (مولى بني المدينة الكلبي)
9- سعد (مولى الإمام علي “عليه السلام”)
10- سعد (مولى عمر بن خالد الصيداوي)
11- سليمان بن رزين (مولى الحسين “عليه السلام”)
12- شبيب ( مولى الحرث الجابري)
13- شوذب (مولى عابس الشاكري)
لكل منهم قصة بطولية فذة ومثالاً يحتذى ، كلاً منهم كان صورة نبيلة من صور الإشراقات الإنسانية ، لعل أبرزهم كان جون بن حوي مولى ابي ذر الغفاري “رضوان الله تعالى عليه” ، كان الإمام الحسين “عليه السلام” قد أذن له بالانصراف ومغادرة المكان حين قال له (أنت في إذْنٍ منّي، فإنّما تَبِعْتَنا طلباً للعافية، فلا تَبْتَلِ بطريقنا) ، فما كان جواب جون إلا ان قال (يا ابن رسول الله، أنا في الرخاء ألحَسُ قِصاعَكم وفي الشدّة أخذُلُكم؟! واللهِ إنّ ريحي لَنتِن، وإنّ حَسَبي لَلئيم، ولوني لأسوَد، فتَنَفّسْ علَيّ بالجنّة فتطيبَ ريحي، ويَشرُفَ حَسَبي، ويَبيضَّ وجهي، لا واللهِ لا أُفارقُكم حتّى يختلطَ هذا الدمُ الأسود مع دمائكم).
كان مولىً لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب “عليه السلام” وهبه لأبي ذر الغفاري “رضوان الله تعالى عليه” ، ثم عاد الى الإمام الحسن بن علي “عليهما السلام” بعد وفاة أبي ذر ، وفي نهاية المطاف كان مع جملة أصحاب الإمام الحسين “عليه السلام” ، الذي منعه من القتال فلم يكن من النبل والفروسية في تلك الحقبة أن تقاتل الموالي والنساء ، لكنه طلب الأذن بإصرار ، لما شاهد الإمام الحسين “عليه السلام” همته وإصراره أذن له ، وبرز متهللاً مرتجزاً على طريقة الأبطال :
كيف تَرى الفُجّارُ ضَربَ الأسْودِ بالمـشـرفـيِّ القـاطعِ المُـهنَّدِ
أحمـي الخيـارَ مِن بنـي محمّدِ أذُبُّ عنـهم بـاللـسـانِ واليـدِ
أرجو بذاك الفـوزَ عندَ المـوردِ مِـن الإلهِ الـواحدِ المـوحَّـــدِ

قاتل قتال الأبطال ، فقتل ما يربو عن الخمسة والعشرون رجلاً ، لكن يقال (الكثرة تغلب الشجاعة) ، بالإضافة الى العطش والجوع وحرارة الشمس كانت عوامل أخرى معجلة في استنزاف الطاقة ، استمر بالقتال حتى انهارت قواه وسقط صريعاً مضرجاً بدمه ، جاءه الإمام الحسين “عليه السلام” ووقف عليه ودعا له «اللهمّ بَيِّضْ وجهَه، وطَيِّبْ ريحَه، واحشُرْه مع محمّدٍ صلّى الله عليه وآله، وعَرِّفْ بينه وبين آل محمّد عليهم السّلام».
جون بن حوى ومعه سائر الموالي “رضوان الله عليهم جميعاً” كانوا لوناً مهماً في واقعة كربلاء ، بدونهم لما اكتملت اللوحة ولبقت ناقصة منقوصة ، لكن الرسام أبى أن يترك نقص فيها أو عيب أو أي خلل مهما صغيراً كي تسلم من النقد وتكون لوحة بهية متناسقة الألوان ، متكاملة على مر العصور ، فالرسام ملهم والتسديد رباني .

*** يتبع ان شاء الله
حيدر الحدراوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.