القرية والمدينة في المنظور الإسلامي / 9

القرية والمدينة في المنظور الإسلامي / 9
بقلم : عبود مزهر الكرخي

ويبدو نحن توقفنا عن تكملة مقالنا البحثي ولكن فلنكمل ما بدأنا به، فالمعلوم أن كل القرى التي كانت عاصية لأوامر الله ونواهيه قد صب الله غضباً ورجساً من السماء بحيث لم يمهلها الله وكان أخذ ربك شديداً كما ذكرنا من قبل، وفي ضوء ذلك وهناك عبارة مهمة متداولة(أن الظلم لا يدوم)ومهما طال أمده وزمانه، ويبدو أن ملامح هذا المهلة قد انتهت وبدأ الحساب الرباني لعباده العاصين والذين يعملون الكبائر والمعاصي وبأعلى صورها ليترجم قول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه { إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ* وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا }. ليبدأ محاسبية كل من خرج عن حدود وأوامر ونواهي الله عز وجل(1).
وليبدأ الغضب الإلهي بكثرة الزلازل والفيضانات والكوارث الإنسانية من حوادث الطائرات وغيرها وحتى شيوع القتل والذبح على الدين والمذهب والهوية وما ظهور تلك التنظيمات الإرهابية والمجرمة إلا خير دليل على ذلك ولهذا جاء الحديث القدسي لشريف الذي يقول (الظالم سيفي انتقم به وانتقم منه )(2).
ومهما كانت صحة الحديث فهو يشير الى منطقية هذا الحديث الذي يسلط العذاب على عباده من خلال انفسهم وهذا ما أشار اليه القرآن العظيم بقوله {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}.
ليحل البلاء والوباء على كل من عصي خالقه وربه. ولهذا فحينمــا ينزل البلاء قد لا يدفعه الدعاء ، و لا الامر بالمعروف أو النهي عن المنكر ، و حين يولى على الناس شرارهم بسبب تفريطهم في جنب الله ، و ترك وظيفة الامر بالمعروف و النهي عن المنكر لا يستجاب دعاؤهم . لماذا ؟ لان الذنب قسمان ، فاذا كنت قد اذنبت انت ، ثم رفعت يديك بالدعاء و تبت الى ربك فان الله قد يغفر لك ، اما إذا فسد المجتمع كله ، فانه لا ينفعه دعاء فرد واحد ، انما يجب ان يتوبوا الى الله جميعا . و يصلحوا ما فسد من امورهم . لأن الناس هم من ظلموا انفسهم وهذا ما يؤكد عليه الكتاب الحكيم بقوله {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(4).
ليوضح انواع العذاب التي أخذ بها العزيز الجبار المدن الكبيرة والتي وصفها بالقرى أخذ عزيز مقتدر ولم يدم أخذ تلك القرى وتعذيبها إلا فترات قصيرة. ومن هنا كان لابد من المنتقم الجبار أن يأخذ أهل الأرض بألوان العذاب بعد أن تمادوا في غيهم وطغيانهم وظلمهم كما أسلفنا من قبل. وكان أكبر عِبرة هو تفشي الوباء وكان جائحة فيروس كورونا هو بمثابة الرد المناسب لتلك الأقوام الضالة والخارجة عن طاعة الله. فكان هذا الفيروس الصغير والدقيق في حجمه والذي لرؤيته يحتاج الى تكبير هذا الفيروس(250)مرة ليتم مشاهدته فكان هذا هو يمثل أحد قدرات الله سبحانه وتعالى والذي هو كان وباعتقادي المتواضع هو من صنع البشر ومن أحدى الأسلحة البيولوجية والتي بدأت تستخدم هذا الأسلوب القذر والمجرم لأباده البشر وقتلهم وتدمير البلدان وبأقل التكاليف وهذا هو سيف الظالم الذي ينتقم به وينتقم منه من خلال ما نلاحظ تصاعد وتيرة الإصابات والوفيات في البلدان المتقدمة وبالأخص في امريكا واسرائيل والتي وغيرها من دول المنظومة الشيطانية ليذيقوا السموم التي طبخوها للعالم من خلال مكرهم وكيدهم وان كيد الشيطان في تباب. والذين كل تلك الدول تدعي العلم والتقدم وتجري البحوث والتجارب في مقاومة الشيخوخة وكذلك الموت ولكنهم عجزوا عن ذلك وصدق قول سيدي ومولاي أمير المؤمنين في دعاء الصباح أذ يقول { فيامن توحد بالعز والبقاء وقهر عباده بالموت والفناء } وهذه العبارة تمثل رسمَ سمة (البقاء) لله تعالى قابل بين ذلك وبين ما يضادها وهي الفقرات التي تقول بأنه تعالى قهر عباده بالموت والفناء، حيث ان الموت والفناء يضادان البقاء ، كما هو واضح ليبين قدرة الله جل وعلا في قدرته على العباد وفي كل شيء. وبقي هذا الفيروس منتشر ويحصد بأرواح البشر والذي عجزت كل تلك الدول وما فيها من تقدم وعلم تدعي به عن القضاء على هذا الفيروس الصغير أو حتى الحد من انتشاره ليمرغ أنوف كل تلك الدول التي تدعي المنعة والجبروت. ولهذه جاءت الآية الكريمة التي تقول قوله تعالى: { ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون }(5) الآية بظاهر لفظها عامة لا تختص بزمان دون زمان أو بمكان أو بواقعة خاصة، فالمراد بالبر و البحر معناهما المعروف و يستوعبان سطح الكرة الأرضية.
و المراد بالفساد الظاهر المصائب و البلايا الظاهرة فيهما الشاملة لمنطقة من مناطق الأرض من الزلازل و قطع الأمطار و السنين و الأمراض السارية و الحروب و الغارات و ارتفاع الأمن و بالجملة كل ما يفسد النظام الصالح الجاري في العالم الأرضي سواء كان مستندا إلى اختيار الناس أو غير مستند إليه. فكل ذلك فساد ظاهر في البر أو البحر مخل بطيب العيش الإنساني(6).
ولنأخذ ما يقوله بن غوريون كمثال بسيط على ما نقول إذ يقول( عظمة إسرائيل تكمن في انهيار ثلاث دول، مصر والعراق وسوريا، جاءت هذه الجملة على لسان رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق دافيد بن غورين، وجاءت خلال مقابلة نادرة ومخفية، ظهرت مؤخراً في إسرائيل ومن هنا فأن هدف اسرائيل الأولي هو تدمير العراق وما جاء في كتابهم من ضرورة تدمير بابل من أجل قامة هيكل سليمان وبعدها ينزل الرب(حاشا لله)ليقيم العدل والمساواة وهذا ما جاء في معتقداتهم.
ولكن نحن نقول أن هذا الفساد والفوضى في العالم لا يتم الخلاص منه إلا بظهور الإمام الحجة المهدي ولهذا فان احدى تفاسير هذه الآية الكريمة هو ارتباطها بظهور قائم آل محمد(عجل الله فرجه الشريف) ولهذا جاء دعاء العهد المأثور والذي يوصينا ائمتنا المعصومين(سلام الله عليهم أجمعين) لتجديد بيعة الأمام الحجة المهدي(عج) أذ يقول{ قلت وقولك الحق:” ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ” فأظهر اللهم لنا وليك وابن وليك، وابن بنت نبيك، المسمى باسم رسولك في الدنيا حتى لا يظفر بشيء من الباطل إلا مزقه، ويحق الحق ويحققه. وتجديد البيعة وفي نفس الدعاء ” اللهم أني أجدد له في يومي هذا وصباحي عهداً وبيعهةً لا أزول عنها أبداً…”(7).
ولهذا جاء حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :” أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج “(8).
ولهذا كان لابد على المؤمن والموالي الحقيقي ان يعرف علامات الظهور وهي خمس ولكن لايسعنا ذكرها ولكن نكتفي بحديث الأمام الصادق { أعرف العلامة فإذا عرفتها لم يضرك تقدم هذا الأمر أو تأخر }(9).
ومن هنا فأن ملامح ظهور أمام العصر والزمان يبدو أنها قد ظهرت في البروز وتلوح في الأفق ولكن ليس في وقت محدد وهذا ما يؤكد عليه أئمتنا المعصومين حيث يقول أمامنا الصادق{ يا مهزم كذب الوقاتون وهلك المستعجلون ونجا المسلمون }(10). بل ورد عن الامام الباقر عليه السلام بعد أن سأله الفضيل بن يسار : لهذا الأمر وقت ؟ قال : « كذب الوقّاتون كذب الوقّاتون كذب الوقّاتون »(11).
ومن هنا نختم مبحثنا بأن قائم آل محمد وملامح ظهوره قد قربت وتلوح في الأفق لشيوع الفساد والقهر والظلم من قبل بني آدم وهذا الظهور حتمي ولكن لا نوّقت لهذا الظهور المبارك بل ندعوا بتعجيل فرج آل محمد ونجدد له البيعة في كل يوم ” أللهم اجعلني من أنصاره وأعوانه، والذابين عنه، والمسارعين إليه في قضاء حوائجه، والممتثلين لأوامره، والمحامين عنه والسابقين إلى إرادته والمستشهدين بين يده “(12).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر :
1 ـ [الطارق : 13 ـ 17].
2 ـ رواه الطبراني في الأوسط (3358) بسند ضعيف. انظر المقاصد الحسنة للسخاوي (668) ص286-287 فستجد فوائد تتصل بهذا الحديث الموضوع الذي لم يقف له الحفاظ على أصل .
3 ـ [الإسراء : 16].
4 ـ [العنكبوت : 40].
5 ـ [ الروم : 41 ].
6 ـ تفسير الميزان( سورة الروم – 40 – 47).
7 ـ مأخوذ من دعاء العهد المأثور.
8 ـ منتخب الأثر / 234 من رسالة الإمام العسكري عليه السلام/ لوالد الشيخ الصدوق .
9 ـ مكيال المكارم 2 / 185 نقلاً عن الكافي، وقد وصف الحديث بأنه صحيح.
10 ـ الأصول من الكافي تأليف ثقة الاسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي رحمه الله المتوفى سنة 328 / 329 ه‍ مع تعليقات نافعة مأخوذة من عدة شروح صححه وعلق عليه علي أكبر الغفاري نهض بمشروعه الشيخ محمد الآخوندي الناشر دار الكتب الاسلامية مرتضى آخوندي تهران – بازار سلطاني الجزء الأول الطبعة الثالثة (1388).منشورات المكتبة الشيعية.
11 ـ نفس المصدر.
12 ـ عمدة الزائر / 360 عن الإقبال. ويأتي النص بتمامه تحت عنوان ” الزيارة”، كما تأتي الإشارة إليه تحت عنوان ” الدعاء” . وانظر مفاتيح الجنان / 539 .