الفلسطينيون والعراق و”صفعة القرن”

الفلسطينيون والعراق و”صفعة القرن”

ثامر حميد

“صفعة القرن” هو تعبير استخدمه الرئيس الفلسطينيي محمود عباس ليصف به “صفقة القرن” التي روج لها الأمريكيون بالتهديد والوعيد لمن لا يقبلها. ورغم أن الفلسطيني، الطرف المعني بها مباشرة قال “لا” للصفقة لأنها لو طبقت لا تبقي له شيئا يمكن أن يسميه ولو نصف دولة، واصل الأمريكي حمل الصفقة والتجوال بها في البداية واضعا اياها على رأسه كبائع “السميط” (نوع من الكعك) ثم، بعد ان تلقت الصفقة صفعة فلسطينية، وضعها بين ثنايا ثيابه يعرضها كمن يعرض بضاعة مهربة.
ويبدو أن كلمة “لا” يمكن أن تنقلب إلى “نعم” إذا ما وضعها العسكريون الأمريكيون في كومبيوترات وزارة الدفاع الأسرع من الصوت لفك رموزها لأنها لا بد وأن تمر عبر معالج الكلمات الإسرائيلي. وفي العراق بنو لنا “ديموقراطية” على طريقة المشاعات القديمة التي تحدث عنها أنجلز عندما يتشارك الجميع في كل شئ. في ذلك الزمن كانت الملكية شراكة وفي العراق أصبح الحكم شراكة يحق لكل واحد فيه أن “يمد إيده” ويأخذ ما يشاء. ولكن ما أن خرجت هذه الديموقراطية عن طريقها محاولة أول مرة في حياتها (والأرجح أن تكون الأخيرة) تقليد الغرب لتصبح ديموقراطية الغالبية لتقول للأمريكي “عذرا انتهت الضيافة” ولنبقى أصدقاء حتى ثار الأمريكي على هذه الديمقراطية واعتبر طلب المغادرة يعني عكس ما طلب: “البيت بيتك وابقى شكد متريد”. وأكثر من ذلك دعى وزير الخارجية الأمريكي بومبيو “شعبه العراقي” للخروج بالملايين لتأييد بقائهم فلم يجن من دعوته تلك شيئا ولو نجحت دعوته تلك لحق له أن ترفع صورته في ساحة التظاهرات كمرشح نزيه ومستقل لمنصب رئيس الوزراء. عندذاك لن يكون التكليف مشكلة كما هي الآن فلدينا رئيس جمهورية منفتح على كل الآراء.

وكالعادة عند البدء بحملة الترويج لمنتوجاتهم بدأ الأمريكيون ب “حاملي كيس النقود” من أصحاب الدشاديش البيضاء والجيوب الملأى حكام الخليج ليكلفوهم بمهمتهم التي لا يعرفون غيرها عندما يتعلق الآمر بالسياسية الخارجية وهي: الدفع لمن “ينخ” والتكفل بمصاريف إرسال رزمة من “داعش” لمن يرفض، ذلك أن شغلهم هو العمل بصفة “كفيل خسار” (بتشديد السين) بالمثل العامي العراقي بمعنى أنهم يكفلون الولايات المتحدة ماليا في جميع مغامراتها حتى ولو كانوا يعرفون أن المغامرة خاسرة لا محالة.
وفي العراق يجري حديث طويل عن صفقة القرن وعن سياسية الولايات المتحدة الرامية للتخلص من الحشد الشعبي كجزء من خطة تمرير الصفقة بعد أن أصبح الحشد أو بعض فصائله بتعبير أدق جزءا مما يسمى ب “محور المقاومة”. وكانت الولايات المتحدة قد عقدت (يمكن قراءتها بفتح “العين” أو تشديدها لا فرق) الآمال عشية احتلالها العراق على تحقيق واحدة من أهم الغايات وهي إعادة “فرمتة” العقل العراقي لتخليصه من “شوائب العروبة” وأولها تغييرموقفه من إسرائيل لتصبح “صديقة القرن” ومحو القضية الفلسطينية من ذاكرته. غير أنها لم تكن قد وضعت في حسابها أنه بدلا من العروبة سوف يظهر لها شئ جديد يسميه اليساريون “الإسلام السياسي” الذي حذر منه قادة المخابرات الإسرائيلية قبل غيرهم عشية “موسم الربيع العربي” والذي طال أمده. وليس خوف الولايات المتحدة و إسرائيل ومعهم بقية الغربيين من “الإسلام السياسي” ناتج عن إمكانية أن يكون هذا “الإسلام” مفقسة للتطرف كما يروج اليسار نيابة عنهم ذلك أن التطرف الدموي هو صنيعهم الفكري منذ أن بدأت بريطانيا تتسلل إلى المنطقة في نهاية القرن التاسع عشر ليصبح صنيعهم العملي (إراقة دم المخالف) في عصرنا الحاضر. وفيما سوق المستعمرون الغربيون عشية القرن العشرين لفكرة “الدولة الوطنية” و الفكرة القومية كأيديولجية ل “تضامن” عربي جديد مضاد لفكرة “التضامن الإسلامي” الذي مثلته الدولة العثمانية كمرجع من أجل أن يستميلوا الطبقة العليا من المجتمع العربي إلى جانبهم ضد الدولة العثمانية تأييدا لمشروعهم التقسيمي، فإنهم عادوا فاحتظنوا “الإسلام السعودي” ضد مفهوم “القومية” عندما اكتسب المفهوم القومي في الخمسينات والستينات على يد الزعيم جمال عبد الناصر محتوى تحرريا معاد للاستعمار والهيمنة. ويتذكر من عمره يسمح بالعداء المستحكم بين السعودية ونظام جمال عبد الناصر آنذاك.
وأقصد بذلك هو أنهم لكي يمنعوا تبلور أية فكرة او عقيدة تنبئ بامكانية التطور نحو مشروع تحرري كبير جامع (اقتصادي بالأخص وهذا ما تحاول تركيا وماليزيا وإيران أن تفعله وهو ما ظهر في اجتماعها الأخير في ماليزيا وتصريحات مهاتير محمد مما أثار حنق السعودية) لابد لهم أن يجدوا مضادا فكريا له تقوم بتبنيه نخب هامشية تعرض نفسها للبيع. وليس “داعش” بصيغته الوهابية إلا فعل لخلق نقيض دموي بشعارسني كاذب لمواجهة “إسلام شيعي” يكتسب مع الزمن بعدا تحرريا معاديا لإسرائيل وهو بعد تطور بفعل المواجهة بين طرفين الأول يتمثل بإيران وسوريا وحزب الله والثاني بإسرائيل والولايات المتحدة. ومما زاد الطين بلة بالنسبة للطرف الثاني هو بروز أطراف عراقية تسعى لأن تكون جزءا من الطرف الأول بأبعاد أكثر خطورة هذه المرة من الأبعاد التي مثلتها الأنطمة القومية المندثرة. وتقدم رسالة إيران الصاروخية إلى القاعدتين الأمريكيتين في العراق مدى خطورة هذا الاصطفاف الجديد.
ولا أستبعد هنا أن أجد من يسخر من كلامي متخذا من نموذج الحكم في العراق (والذي قد يحلو له أن يسميه شيعيا) بأنه لا يمت بصلة بل ينسف ما أقول عن “البعد التحرري” لأن “الشيعة” في الحالة العراقية قد انتجوا فسادا وقلة كفاءة…إلى آخر الكلام. ويكفيني هنا القول أن العقل السياسي الشيعي العراقي (أشدد على كلمة السياسي) يتخلف بمراحل عن العقل السياسي الشيعي الإيراني واللبناني والذي هو بحقيقته ليس عقلا شيعيا تقليديا بل عقلا مبدعا شمولي التفكير مفتوحا على كل وسائل العلم والتطور وهنا يكمن بعده التحرري. قال عزت الشابندر عن الأحزاب الشيعية العراقية ساخرا في مقابلته الأخيرة مع التلفزيون الوطني العراقي بثت مساء السبت 18/01 (والذي لم يسمح له منشط الحوار حيدر زوير أن يكمل جملة واحدة دون أن يقاطعه) أنهم يجمعون بسهولة على “اللطم” و يجمعون بشق الأنفس على اختيار رئيس وزراء.
وللولايات المتحدة عذرها إن تكن مراكز ابحاثها لم تكن لتستطيع أن “تضرب تخت رمل” (مثل عراقي كنية عن التنبؤ بما يصعب التنبؤ به) لتعرف ملامح التبدل الذي طرأ على العقل العراقي عشية انهيار المشروع القومي بنسخته البعثية وانهيارالمشروع الشيوعي قبله والذي لا زال البعض في العراق وبلدان أخرى عربية يلبسون أسماله. كما وأن حلفاءها الجدد من اليسار هم أيضا معذورون وقد آمنوا كغيرهم كثيرين أن “القرن” الجديد سيكون قرن الثور الأمريكي فتدافعوا مع غيرهم من قوى اليسار العربي ليكونوا في الصفوف الأولى في طابور الحصول على صحن العصيدة الأمريكية الذين باعوا مبادئهم من أجله. ( استعارة من لينين مع بعض التصرف). ورغم أننا قد نبتعد قليلا عن الموضوع فإن كثيرا من هؤلاء اليساريين اصبحوا سادة في التشكيك بسلامة عقود البنية التحتية التي ينوي العراق تنفيذها مع الصين فهم كانوا ضد الصين عندما كانت في صراع مع الاتحاد السوفيتي انصياعا لما يمليه الرفاق في موسكو ويقفون اليوم ضدها في صراعها مع الولايات المتحدة انصاياعا للصديق الجديد ذلك أنهم ميالون بطبعهم للصفقات الخاسرة لأن خسارة المبادئ ليست مشكلة بالنسبة لهم طالما أنهم تعلموا من أمريكا والغرب أن كسب المنافع حتى لو كانت تافهة أفضل من أن يكون لك مبادئ، أليست هذه هي قوانين السوق؟ كتب أحدهم عنوانا عريضا بالألوان في صفحته على الفيسبوك يقول: “أنا شيوعي وليبرالي وأفتخر”! إن هذا الشيوعي السابق لزمنه يجد أنه من الممكن أن يستولد مخلوق بهي الطلعة من مزاوجة أنثى بجعة مع ذكر تمساح! وهو معذور فهكذا أفهمته قيادته.
وبالعودة لموضوعنا فإن العنصر الأساسي المفقود في لعبة جر الحبل الدائرة في معادلة الصراع بين الأمريكيين من جهة والرافضين لوجودهم في العراق خاصة قوى الحشد الشعبي المحسوبة على محور المقاومة من جهة أخرى هو الفلسطيني الذي يريدون توطينه في صحراء الأنبار حسب تلك الصفقة وكأن الفلسطيني المنفي الذي ظل طول حياته يحلم بجبال فلسطين ووديانها وينابيعها وزيتونها وعنبها حتى الذين لم يولدوا بها قد استبدل حلمه الشاعري بتلك الأرض الطيبة بحلم جديد هو حلم صحراء الأنبار التي كانت يوما مرابعا لتنظيم “داعش”. لقد رفض الفلسطيني منذ اللحظة الأولى وعلى لسان رئيسها محمود عباس وكل القيادة الفلسطينية مجرد الحديث عن الصفقة وذهب إلى ابعد من ذلك بأن أخرج الولايات المتحدة من المعادلة عندما اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل ووصف الولايات المتحدة بأنها لم تعد (هي لم تكن يوما بالأصل) وسيطا نزيها بين الفلسطينيين وإسرائيل.
ويعتقد الأمريكيون (لأسباب تفوق قدرتنا على الفهم) أن الظروف القاسية التي يعيشها فلسطينيو لبنان وسوريا بشكل خاص (بعد ان أطلقوا يد التنطيمات الإرهابية لتدمر المخيمات الفلسطينية في سوريا) كافية لأن يقبلوا بحل اسمه “صحراء الأنبار”.
في تاريخ ليس ببعيد بعد أن أخرجت م.ت.ف من لبنان نحو الشتات العربي وتعرض سكان مخيمي صبرا وشاتيلا على يد شارون وعملائه لأبشع مجزرة عرفها القرن العشرين أخرج الأمريكيون من جعبتهم مشروعا لتوطين مئات الاف الفلسطينيين في كندا فماذا كان الرد؟ الرفض المطلق. وكانت كلمة من الزعيم الفلسطيني الراحل ابو اياد كافية لأن يبلعوا ما نطقوا به. لم يقبل الفلسطينيون بكندا بديلا لمعاناتهم في لبنان وبقية الشتات العربي ويريدون لهم اليوم أن يقبلوا بصحراء الأنبار. ويعتقد الأمريكيون المصابون بداء فيض القوة أن أموال الخليج وربما تدفقات الغاز التي يعدون بها أهل الأنبار إذا ما قبلوا بتشكيل إقليم سني على خلفية إصرار العراقيين على خروجهم من العراق سوف تعد “المستوطنين الفلسطينيين” أيضا بمستقبل واعد يشبه مستقبل المستوطنين اليهود في الضفة الغربية حيث ينعم الكثير منهم بمسابح في بيوتهم. (من أين سيأتون بالماء ليصنعوا لمستوطني صحراء الأنبار مسابح؟من يدري ربما تكنولوجية “إمطار سماء الصحراء”)!
إن العقل الأمريكي الذي يقيس كل شئ بالمال قد نسي حتى ما كان يحصل البارحة. لقد رفضت القيادة الفلسطينية أن تستلم استحقاقها من أموال الضرائب على البضاعة التي تستورد للسوق المحلية الفلسطينية من إسرائيل لأن الأخيرة استقطعت منها ما كانت السلطة تدفعه كرواتب لعائلات الشهداء والمعتقلين الفلسطينيين. وصبر الفلسطينيون قرابة سنة كاملة وهم يستلمون نصف راتب مصرين على أن تدفع إسرائيل كامل استحقاقهم حتى انصاعت. لقد كان شعارهم “الجوع و لا الخضوع”. وكانت أمريكا أيضا قد دخلت على خط “التجويع” عندما حجبت مساعدة للسلطة قدرها 75 مليون دولار والأسوأ من ذلك أوقفت مساعداتها لوكالة الأنروا التي تنحصر مهمتها بإعانة سكان المخيمات في حقل الرعاية الصحية والتعليم ثم مارست ضغطا على الأممم المتحدة لإلغاء الوكالة غير أن رد الجمعية العامة للأمم المتحدة كان أن أقرت ببقاء الوكالة.
ويمكن لقوة عظمى أن تجد عملاء رخيصين يعرضون أنفسهم للبيع حتى من من بين النخب السياسية ولكنك كيف لها أن تقنع شعبا أبيا كالشعب الفلسطيني أن يتخلى عن حقه بالعودة لأرضه المسلوبة لقاء وعود بالرفاه في صحراء بلد عربي؟أي عقل يمكن أن تخطر بباله تلك الفكرة؟ ومتى أصبح العراق ضيعة أمريكية ليقرروا ما يفعلون بها؟ إن أول شرارة للمقاومة العراقية ضد الأمريكي قد انطلقت من الأنبار فلماذا يعتقد الأمريكيون أن أهل الأنبار سوف يقبلون بإقليم سني لأنها أنطلقت على لسان بعض رجالها الذين يعيشون بالأردن أو في أربيل وكانوا هربوا من الأنبار عند دخول “داعش” وتركو أهلها لمصيرهم؟
قد تكون القوة والمال قد صنعتا واقعا مختلفا عن الأصل في أمريكا في بداية التأسيس قائما على الإبادة فهل يعتقدون أن هذه التجربة الفريدة يمكن أن يستخدمونها مرة أخرى لتأسيس واقع جديد في منطقتنا العربية؟نعم استخدمها الغربيون في فلسطين وخلقوا واقعا اسمه إسرائيل ولكن إذا كانوا يظنون في قرارة انفسهم أنها واقع دائم بل أكثر من ذلك يريدونه و”اقعا متمددا” ما الذي يدفعهم لإقامة عشرات القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة؟
أن أهالي الأنبار أسمى وأعظم من أن يفكروا في التواطئ مع مروجي الإقليم السني ليدخلوا أنفسهم في سجل من ساهم ليس في تقسيم العراق وحسب بل وفي الانخراط بمخطط خبيث يعرض للخطر مستقبل الفلسطينيين أخوتهمم في العروبة.
قال الرئيس الروسي بوتين في أحد خطاباته أن روسيا لا تبيع حلفاءها واصدقاءها من جل تحقيق مكاسب لنفسها. إننا هنا أمام عقل أوربي يؤمن أن السياسة فيها مبادئ أيضا وليس مصالح ضيقة فقط. وليس عرب الأنبار بعاشائرها وشيوخها ممن يبيعون أحبائهم وأخوتهم في العروبة من شعب فلسطين من أجل وعود جوفاء ممن لا وعد و لا كلمة له إلا عندما يعدك بالخراب. عندها يمكنك تصديقه فآلته الحربية الهائلة قد وجدت من أجل ذلك. غير أن التصديق بوعود الخراب شئ والخوف منها شئ آخر فلم يخلق آهالي الأنبار ليخافوا ولهم سند في كل أرض العراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.