الفصل الخامس والاخير من الجزء الاول من مذكرات حردان عبد الغفار التكريتي .

انشر هذه المذكرات لما تحتويه من فوائد وأسرار تاريخية حول ارهاب ومؤامرات البعث الاسود من جرائم قتل وتعذيب وتهجير جماعي قل نظيرهما في الحكومات والانظمة السالفة وعلى لسان احد اقرب الناس انذاك من الرئيس المقبور احمد حسن البكر واحد رموز وقادة ومؤسسين هذا الحزب الاسود املا في أستفادة الشعب العراقي وغيره من هذا الحقبة التاريخية الهامة من تاريخ العراق .( محمد كاظم الجادري .

. حردان عبد الغفار التكريتي – المذكرات : –

قدجاءت زيارتي الى بيروت رسمية بناءا على طلبي أنا وقد تقرر أن أعقد هناك مؤتمرا صحفيا ولكني امتنعت عن الاجابة عن اي سؤال بعد التعرف على الجريدة وهويتها – وقد احرجتني الصحف اليسارية وخاصتة

صحيفة النداء الشيوعية التي احرجتني في قضية اعتقالات قمنا بها في صفوف الشيوعين ولكن المؤتمر اعتبرناجحا , وقد تلقيت تهنئة أخوية من رفاقي الذين ابدوا اعجابهم بالتبريرات التي ذكرتها للاعدامات بالرغم من الصعوبة الضميرية التي كنت اعانيها مع كل كلمة كنت الفظها في الموتمر .
ولكن بعض السفراء العرب ومنهم سفير ليبيا نصحني بالابتعاد عن هذا النوع من التصفيات التي قال : انها تسىء الى سمعة الدول الثورية كلها , لانها ستعرف العالم ان كلمة الثورية تعني لدام , والارهاب , والقتل الجماعي … ولقد تقرر في اجتماع عقدناه مع ابو هيثم أن يتم تصفية الافراد بالاغتيالات الفردية .
وفعلا فقد افرجنا عن كثير من السياسين الذين كانوا ينتظرون الاعدام , تمهيدا لاغتالهم من قبل (( مليشا الفداء )) التي يشرف عليها صدام شخصيا . والجدير بالذكر : أن المعتقلين السياسين يتعرضون لتعذيبات يومية تقريبا , وقد تم توزيعهم على بيوت خاصة جرى شراؤها في أنحاء القطر كله.
الاسئلة التي أجاب عليها حردان عبد الغفار .
سؤال :- هل يمكن ان تعود الى التعاون مع ابو هيثم مرة اخرى ؟ الجواب : – لست من الرجال الذين يضعون كرامتهم الخاصة في معرض البيع لم يكن عفويا , فقد تذمرت مرات من الوضع الارهابي القائم وذكرت أيضا انني لا استطيع ان أتعاون معهم طويلا .
سؤال :- لو قدرلأ بوهيثم أن يحكم العراق طويلا فكيف ستكون في نظرك صورة الوضع القائم ؟
جواب :- لا شك أن الصراع سيطول لعدة سنوات بين ابوهيثم وبين رفافة . ولكن الدهاء الذي يتصف به ابو هيثم سيمكنه من الانتصار على كل من ينازله المعركة . وأضن أن أول وجه سيسقط هو وجه صدام حسين لأنه اقوى منافسي أبو هيثم وأكثرهم شراسة ودموية .. أما الوجه الثاني فهو وجه صالح مهدي عماش , والوجه الاخر – باستثناء سعدون حمادي – ستسقط في وجبتين أو ثلاثة ليس أكثر . وبعد ذلك فلن يدوم وجه أبو هيثم نفسه , لان بريطانيا اليوم غير بريطانيا الأمس : فهي تبدل الوجوه بسرعة , بينما كانت سابقا تحب الوجوه العتيقة .
سؤال :- وماذا عن عفلق ؟
جواب :- في نظري : لن يكون مصيره في ا لعراق خيرا من مصيره في سوريا .وهويعرف ذلك جيدا , وبسبب ما يعرف لا يقيم في العراق أكثر من خمسة وعشرين يوما في كل زيارة .
سؤال : – هل أن هناك توترا بين الحكم وبين عفلق كما تقول بعض الصحف ؟
جواب : – يسود توتر عاتم منذ منتصف عام 1969 العلاقات بين عفلق وبين الرئيس , ويعود سبب هذا التوتر الى قضية تهريب خمسين مليون دينار عراقي الى بنوك سويسرا وباريس , حيث تم الايداع عن طريق عفلق ولكن ظهر أن هذا الاخير لم يودعها باسم الحزب , كما كان مقررا , وانما اودعها بسمه الخاص , مما اثار غظب الرئيس . لأن معنى ايداع الأموال باسم عفلق أنه لا يحق لأي من الحاكمين التصرف فيها إلا اذا شاء عفلق , ولأنه يعني أن اي من اعضاء الحزب لا يستطيع الاستفادة منها اذا ما وقع انقلاب في بغداد . وقد جرت عدة محاولات لاعادت ايداعها باسم الحزب الا ان عفلق رفض ذلك مبررا موقفه بأنه هو الذي اسس حزب البعث , ومن ثم فهو الذي مكن ابو ميثم واعضاء الحزب من بلع اموال الحزب .. وقد بلغ الأمر بعفلق الى التهديد بكشف الاوراق في مؤتمر صحفي يعقده في بيروت . . ولولا التلطيفات التي قام بها صديقه صدام حسين لنفذ تهديده .
سؤال :- كيف ترى بيان 11 آذار ؟
جواب : – في الواقع ان الاكراد استطاعوا بصمودهم البطولي خلال قرن كامل أن يركعوا الحكم الى درجة بتنا نخشى أن يؤدي استمرار الحرب الى سقوط بغداد بايدي الملا مصطفى البرزاني . .. وقد بلغ معدل ضحايا الجيش العراقي قبل شهور من بيان 11 آذار 325 بين قتيل وجريح اسبوعيا . وبعد أن قمنا بمحاولة أخيرة للقضاء على المقاومة قبل 11 آذار بشهرين فقط , وفشلنا فيها قررنا إجراء مفاوضات مع الملا , لأنهاء القتال لأن ذلك كان سيعطينا فرصة طويلة للبقاء في الحكم .
وكان القصد من المفاوضات اعطاء الملا كل التنازلات التي يريدها , في محاولة لاحتوائه أو انقلاب عسكري ضده , ولكنه كان اقوى , واذكى وأكثر تمرسا بأساليب السياسية والعسكرية , ولذلك فقد اشترط في بند سري من بنود البيان بقاء (( 25 )) الف جندي من جنود البش مركه )) تحت السلاح , وقد اعطيناه ذلك ولكن قررنا أن نستغل فترة إنهاء الحرب لادخال عناصر من جماعة (( جلال الطالباني )) وهو عدو تقليدي للملا في جماعة الملا . , والقيام لاغتياله عند اللزوم , فالحرب لايمكن أن يطبق بيان 11 آذار بكامل بنوده لأن ذلك يعني اعطاء أضخم حقول البترول العراقية للأكراد , وهو حقل كركوك , وذلك يعني إفلاس الحكومة تقريبا . من هنا , فقد قرر الحزب القيام باحدى الخطتين : – 1 – أما اعلان الغاء اتفاقية آذار ضمن حملة عسكرية ضخمة تقوم بها القوات العراقية , وانهاء قضية الحكومة اللامركزية التي يطالب بها الملا .
2 – أو القيام بتوطين عائلات عربية في المناطق الكردية قبل اجراء احصاء عام فيها , الأمر الذي سيمكن الحزب من بقاء سيطرته قانونيا في تلك المناطق . وللحقيقة فان حكمنا لم يكن مخلصا للاكراد في اي يوم ولن يستطيع ولن يستطيع ان يصبح مخاصا لهم في المستقبل اطلاقا . . وسيكتشف الاكراد ذلك ان لم يكن قد اكتشفوه فعلا .
سؤال – اتسم حكم البعث في سنة 63 – وسنة 68 – 70 – بالأزمات المعيشية فهل ذلك نتيجة فقدان الخبرة الأدارية أم شيء آخر ؟ .
جواب : – الحقيقة ان بريطانيا التي ذاقت من الشعب العراقي الأمرين في ايام حكمها , ابتداءا من ثورة العشرين وانتهاءا بانتفاضة رشيد عالي الكيلاني , تحاول الانتقام منه الآن . وذلك عن طريق اتباع السياسة التي اتبعتها في الهند في أيام غاندي , والتي تلخيصها بسياسة الأذلال والأفقار . فمن ناحية تجري في العراق الان عملية الاذلال , بالتضييق عليه في امس حاجاته الضرورية كالمواد الغذائية , والأدوية والآلات الطبية , والتضيق عليه في السفر والجنسية والتضيق عليه في الجندية , والتضيق عليه بالبوليس السري الذي بلغ عدده ( سنة 1970 الى 15 ألف جندي , ما عدا رجال الأمن , والاستخبارات العسكرية . فقانون الاصلاح الزراعي الذي سنه عبد الكريم قاسم , وطبقته من بعده حكومات عبد السلام وعبد الرحمن عارف لم يكن في صالح العراق اطلاقا , وقد سبب هذا (( الاصلاح )) غير المدروس انهيارا للزراعة العراقية ومن ثم في الاقتصاد العراقي كله , لأن اقتصاد العراق يعتمد على امرين : النفط والزراعة , ومع انهيار الزراعة كان من المفروض تقليل الضرائب ولكن الذي حدث هو عكس ذلك تماما فقد رفعت حكومتنا بالذات قيمة الضرائب , خاصة ما يتعلق منها بالمواد الضرورية 25 % لأن الحكومة تعتقد ان 30 % من واردات العراق يجب ان تصرف في النشاطات الحزبية , فكلما قلت الواردات تصعد هي الضريبة أو تفرض الضرائب العكسية , مثل التي فرضت على المؤسسات الأهلية على اساس ان على كل مؤسسة ان تدفع ضريبة معينةابتداءا من تأسيسها , وإن كان ذلك قبل مائة سنة مثلا عليها ان تدفع عشرة دنانير عن كل شهر من شهور العشرين سنة الماضية . تصوروا ان واردات العراق تبلغ الان اكثر من 900 مليون دينار عراقي , ومع ذلك فان الحكومة تفرض ضرائب بمعدل 10 % على كل فلاح يملك 10 اشجار , او 10 رؤوس غنم .
سؤال :- هل يمكن معالجة الوضع ؟ .
جواب : – اذا كانت هناك حكومة برلمانية ذات قاعدة شعبية فانها تستطيع ان تنفذ برنامج اصلاحية , ولكن مع فقدان القاعدة الشعبية الصادقة لا تستطيع اية حكومة ان تقوم بذلك في العراق إلا على حساب رؤساء الحكومة انفسهم , ذلك لأن مشكلة المخابرات البريطانية , انها تقول للحكومة التي تأتي بها هي : انك حكومة حرة افعلي ما تشائين , حتى اذا ظهرت بوادر اتجاه الحكومة نحو الاصلاح ضربت بها عرض الحائط فا لحكومة التي تأتي على قطار انكليزي , لا بد ان تظل مخلصة ليس للمصالح البريطانية فقط , وإنما للنيات البريطانية ايضا إذا ارادت البقاء , وما دام الحزب لا ينوي الذهاب فهو ماض حتما في سياسة الاذلال والافقار الى النهاية .
سؤال : – كيف تصرف ال 30 % من واردات العراق على الحزب ؟
الجواب : – تنقسم مخصصات الحزب الى مخصصات الحزب في الداخل , والى مخصصات الحزب في الخارج , وبالرغم من ان الحزب في الداخل اكبر عدد من الحزب في الخارج فان الأموال التي تصرف في الخارج كثيرة وخيالية , وخاصة التي تصرف على افراد الحزب في الخليج , ولبنان . فبينما يصرف على كل حزبي في الداخل 18 دينار عراقي شهريا مقابل قيامه بنشاطات حزبية مستمرة , يبلغ معدل ما يصرف على الفرد الحزبي في الخارج 25 دينار . بالاضافة الى تكاليف سفرة مجانية الى العراق على متن طائرت تريارنت , وبقاء شهر على حساب الدولة لكل من يدخل التنظيم في لبنان والخليج العربي .
سؤال : – هل هناك مشاريع لتوسيع الحزب في الخارج والداخل ؟
جواب :- مشاريع من هذا النوع اكثر من ان تحصى ويضم مكتب ابو هيثم ما لا يقل عن 23 ملفا كبيرا عن (( الخطط الخاصة )) كما يسميها ابو هيثم , وهي عبارة عن خطط لتمدد الحزب في الداخل والخارج . ولا بد من الاعتراف بأن الحزب يلاقي صعوبات ايديولوجية واسعة في جلب الشباب العراقيين الى الحزب اكثر من صعوبة جلب الشباب غير العراقيين اليه , لأن شعارات الحزب فقدت قيمتها بسبب الواقع الذي يواجهه , غير ان الحزب يعتمد الآ ن على الشباب غير العراقي ؟ .
سؤال : – كم هم عدد اعضاء الحزب ؟ .
جواب : – في الخارج لا اعرف بالضبط , و أقدر أنه لا يتجاوز الألف أما في الداخل فانه يقرب من 3500 فقط اكثرهم ممن يدخل الحزب للحصول على راتب 18 دينار للمعيشة , وكل هؤلاء من ذوي العاهة , والشذاذ , وقليلا ما ينخرط في الحزب شخص من العائلات الشريفة , لأن تقاليد الحزب تتنافى مع التقاليد التي تتمسك بها العائلات العراقية , فالشعب العراقي شعب متمسك بالدين , و يرفضه بسهولة .
سؤال : – ماذا تعني القيادة القطرية ؟ وماذا تعني القيادة القومية ؟ وماذا هي مسؤليتهما ؟ .
جواب : – يعتقد حزب البعث العراقي ان عليه ان يشكل امبراطورية بعثية على انقاض حكومات الشرق كلها , وهو لذلك يجعل شعاره الأول (( وحدة )) ثم تأتي من بعده (( الحرية )) ثم (( الاشتراكية )) . وتحقيقا للشعار الأول ينقسم الحزب الى قسمين : ما يرتبط بالقضايا الداخلية , وما يرتبط بالقضايا الخارجية . وتتكون القيادة العراقية من افراد عراقين غالبا , وأما القيادة القومية فانها تتكون من افراد غير عراقين غالبا من امثال شبلي العيسمي ومحمد سليمان والياس فرح الخ , وتعطي لكل واحد منهم صلاحيات واسعة و كما تضع تحت تصرفهم امكانيات كبيرة للقيام بنشاطات حزبية داخل البلد الذي ينتمي اليه . والقيادة القومية تضم الان ( 70 سنة ) واحد ا من مصر واثنين من السعودية واربعة من سوريا وثلاثة من لبنان , واربعة من الاردن وامرأة من المغرب . وقد جرى تصفية بعض الأعضاء الذين ظهر ولاؤهم للجناح السوري أمثال : حامد الجبوري , وأحمد محمد خالد وغيرهما . أما القيادة القطرية فان نشاطها يشمل الداخل والخارج معا , وهي تتألف الان ( 70 عام ) من 15 شخصا كلهم عراقيون , ولكنهم يخفون وجوههم تحسبا لأي طارىء. وقرارات القيادة القطرية تستمد من توصيات ميشيل عفلق , وتوجيهاته . . . وهذه القرارات تكون دئما سرية وليس ما يعلن عنها إلا تغطية للقرارات السرية التي يجري تنفيذها بصمت .بل قد لا يعلن عن شيء اطلاقا . . فقد اجتمعت القادة خلال ثلاثة اشهر من سنة 69 – 70 أكثر من خمس مرات , ولم يعلن عنها شيء ولكن اعطي مثالا عن قرارات الحزب اذكر ما يلي : 1 – قررت القيادة تحقيق شعار : (( كل شيء من اجل الدعاية )) بخلق جو اعلامي حول الحزب ومواقفه وخطواته , وقد اقتطع لذلك 80 % من برامج وسائل الأعلام : والاذاعة , والتلفزيون الصحف الخ لفرض التهريج للمشاريع , والمواقف الحزبية .
2 – وقررت القضاء على الروح الدينية في المجتمع العراقي وزرع روح الالحاد بدلا عنه , وقد اغلق لذلك كافة الدور الذي كانت تستورد الكتب الدينية , كما شددت الرقابة على المطبوعات والنشرات الدينية الى حدا كبير .
3 – وقررت احتكار الكلية العسكرية على البعثين الملتزمين وقد امتنعت لذلك عن قبول أي معدل للدخول الى هذه الكلية , منذ سنة 68 .
انتهى الفصل الخامس من القسم الاول من المذكرات .
محمد كاظم الجادري …….. ( ابو ميثم الحياوي )

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.