الفصل الثالث من مذكرات حردان عبد الغفور التكريتي

Jun 19, 2004
بقلم: محمد كاظم الجادري

(( املاها وهو مقال من مناصبه في الجزائر وكانت احدى اسباب اغتياله وتصفيته في الكويت من قبل المخابرات العراقية ))

انشر هذه المذكرات لما تحتويه من فوائد واسرار تاريخية حول أرهاب ومؤامرات البعث الاسود من جرائم قتل وتعذيب وتهجير جماعي قل نظيرهما في الحكومات والانظمة السالفة وعلى لسان أحد أقرب الناس انذاك من الرئيس المقبور احمد حسن البكر , وأحد رموز وقادة ومؤسسين هذا الحزب الاسود . املا في استفادة الشعب العراقي وغيره من هذا الحقبة التاريخية الهامة من تاريخ العراق .

عندما بدأت القوات الاردنية بشن هجماتها ضد الفدائين كان رأيي أن نقوم برد فعل عنيف ازاء الاردن باعتبار ان ذلك سيكون في صالحنا . دعائيا على الاقل – ولكن الرئيس خالفني في ذلك , وأ رسل مبعوثا شخصيا اجتمع بالملك حسين وابلغه ان الجيش العراقي لن يتدخل في القضايا الداخلية للاردن ( وكان ذلك من دون علمي ) ولكن الرئيس اقنعني بان الدعايات التي سنطلقها وفق الفدائين وضد الملك حسين ستعوض عن خيانة الفدائين الذي طالما وعدناهم بالوقوف الى جانبهم في كل الاحداث والتطورات . ففي الوقت الذي كان المبعوث العراقي يبلغ الملك بعدم تدخل الجيش العراقي , وفي الوقت الذي كانت الدبابات الاردنية تمر من وسط الجيش العراقي الى المنطقة الشمالية في الاردن لضرب الفدائين , كانت اجهزة اعلامنا تشن اعنف الحملات ضد الملك ونظامه . وفي غمرة الاحداث قال لي الرئيس – : ان الوضع الداخلي في الاردن سيساعدنا في تدبير انقلابنا ضده , وستعوض دعايتنا لصالح الفدائين عن تخلينا عنهم .

وأضاف – : في الواقع ان خطأ الملك يكمن في نقطة واحدة هي انه فتح المجال واسعا امام الفلسطينيين حتى اذا اصبحوا في وضع عسكري جيد , وأصبحت لهم مراكزهم الخاصة وحتى مطارهم الخاص , عاد ليضربهم الان .. ولو كان يفعل كما فعلنا من أول يوم , لجنب نفسه , ونظامه هذه المتاعب . وعلى اي حال … فقد تطورت احداث الاردن وانهت المعارك الدامية – كما هو مشهور – بمؤتمر القمة العربي الذي قاطعناه , لنظهر امام الرأي العام العربي كمدافعين وحيدين عن الفدائين , وكرافضين لمهادنة النظام الاردني . وعندما انتهى كل شيء بتوقيع اتفاقية القاهرة الشهيرة, وعاد الفدائيون ممزقين منهوكي القوى , تلقينا رسالة من ياسر عرفات يعتب فيها على موقف الجيش العراقي . وأصبحنا في موضع حرج فالاقنعة بدأت تتساقط , وتعرينا أمام الرأي العام العربي , فاضطررنا الى اصدار بيان رسمي صادر عن مجلس قيادةالثورة يعترف فيه بعدم تدخل جيشنا لصالح الفدائين , وفي الوقت نفسه تضع عتب ذلك على الولايات المتحدة الامريكية , باعتبار انها كانت تستعد لتدخل العسكري في الاحداث مما كان يعني وقوع اجزاء جديدة من الوطن العربي تحت الاحتلال . اي ان حرصنا على الارض العربية هو الذي منعنا من التدخل هناك . وبالرغم من ان البيان صيغ بخبث رائع , فانه فشل في اقناع اي عربي بصحة وجهة نظرنا . وقد استغلته الاجهزة الناصرية كدليل على نفاقنا , وارتباطاتنا المشبوهة . هذا.. وبعد صلح الملك حسين مع الفدائين , هذا الصلح الذي كان انتصارا للملك , اصبحت القوات الاردنية اقوى مما كانت عليه قبل الاحداث , وأصبحت (( ثورتنا )) ضده ابعد من السابق بطبيعة الحال . وعندما عادت المياه الى مجاريها أبلغنا الملك أن على الجيش العراقي أن يتقيد بأوامر الجيش الاردني. وأن عليه ان يقلل من تغلغله داخل الاردن لان ذلك كان يقلق فعلا .. ولانه كان في وضع جيد لا يستطيع معه ان يساهم في وقت قريب في انقلاب ضد الملك – بعد اجراءات هذا الاخير – . قررنا سحب عشرين الف جندي من مجموع 27 الف جندي كانوا يرابطون في الجبهة , مع الاسلحة والذخائر . ورغم اننا حاولنا أن يتم الامر في سرية كاملة , ولكن بعض الاذاعات والصحف ذكرت ذلك , غير أن صمتنا عن تأيد الخبر , واستمرار اعلامنا كالسابق بشن حرب كلامية ضد العدوان , كل ذلك جعلنا لا نتضرر من سحب هذا العدد الضخم من الجبهة , الا اعلاميا وبشكل جزئي فقط . ولكني أنا , كنت الشخص الوحيد الذي تضررت حيث قرر ابو هيثم اعفائي من مناصبي لبعض مواقفي الوطنية ازاء الاحداث , وقد تم ذلك عندما كنت اقضي اجازة في اسبانيا . .

قضية شط العرب , وبعض الامور الداخلية

بعد زيارة رسمية قمت بها الى ايران , بأقل من شهر , أعلنت الحكومة الايرانية فجأة الغاء اتفاقية شط العرب التي عمل بها اكثر من خمسة وعشرين عاما , بحجة انها اتفاقية ظالمة فرضها الاستعمار على كلا الجانبين , وطالبت بتوقيع معاهدة جديدة معها على اساس تقسيم الارباح بصورة متساوية . وأنا شخصيا لم أؤخذ بالموقف الجديد للحكومة الايرانية فقد كان المسؤلون الايرانيون قد نوهوا لي خلال وجودي في ايران بضرورة اعادة النظر في جملة من القضايا المعلقة بين البلدين , وضرورة التنسيق مع ايران في القضايا الاقتصادية والسياسية . وتقرر يومها أن تدرس الحكومة العراقية من جانبها الموظوع وتتخذ الاجراء المناسب لضمان حق الطرفين . ولكن التماهل من جانبنا , حمل الحكومة الايرانية على الغاء الاتفاقية بعد ثلاثة انذارات , وقذ اثار ذلك احمد حسن البكر بصورة خاصة , لانه اعتبر قرار الالغاء إهانة شخصية له وعند ما دعانا الى الاجتماع به في القصر الجمهوري , كان قد اتخذ مسبقا قرارا بشان الموقف شأنه في ذلك شأن كل قراراته التي كان يتخذها اولا ثم يدعونا الى دراسته على ضوء قراره وليس لاتخاذ القرارالمناسب . وفي الاجتماع بدأ يتكلم , كأنه يخطب في الجماهير مهددا باحتلال طهران , واسقاط حكومة الشاه , كما هدد بنسف المنشآت النفطية في عبدان , وضرب القواعد الجوية في ديزفول . ولكنني عندما ذكرت له أن ايران اقوى بكثير مما يمكن أن يتصوره اعتبر كلامي انحيازا لايران , وقال بسخرية – : يبدو أن مآدب الشاه الدسمة قد غيرت تفكيرك . ووضعت حد لهذا الحوار , قائلا – : ربما . ولا شك في انه لم يكن جادا في تهديداته . وإنما فقط كان يريد ايهامنا بأنه رجل قوي , – تماما مثلما كان يفعل هتلر – وكان علينا ان نشعره باننا فعلا بدأنا نشعر بقوته . والا كان يتخذ قرارات صارمه بحقنا . وعلى كل حال فقد اخبرنا , في ذلك الاجتماع بأنه يعتزم على شن حملات دعائية واسعة ضد ايران , وانه بذلك يحاول استخدام كافة المعادين للحكومة الايرانية , سواء من يعيش منهم داخل ايران ام خارجه في هذه الحملة الدعائية , وقال بالحرف الواحد . – : نستطيع ان نفجر ايران من الداخل , في هذا السبيل .. وسأبدأ بنفسي .. وقرر أن يلقي خطابا ناريا , في اي مناسبة متاحة يهاجم فيها الحكومة الايرانية , والشاه شخصيا باعتبار أن المعادين للحكومة الايرانية اذا عرفوا أن الحكومة المجاورة مستعدة لتصعيد الحملات ضد الشاه الى درجة كبيرة فانهم سيقومون بحركة انقلاب ضد الحكومة , وبمساعدة الحكومة العراقية يكون كل شيء على ما يرام !

وقد القى بنفسه خطابا ناريا هاجم فيه الحكومة الايرانية بعبارته الشهيرة : – (( بريء من العروبة والاسلام اذا نسيت هذا الموقف الدنيء )) وكان يقصد بذلك موقف الشاه من قضية شط العرب . كما اتهم الحكومة الايرانية بان هذا الموقف انما هو لاجل ان ينسحب الجيش العراقي من الجبهة ضد اسرائيل وينشغل بالقضايا الجانبية , وكان يرمي من وراء ذلك أن يجند الدول العربية في صف واحد ضد ايران . ولكن شيء من هذا لم يحدث …

غير اننا استمررنا في حملاتنا الاذاعية والصحفية ضد ايران وكثيرا ما كانت تعوزنا المستندات , فكنا نخلق اخبارا لا صحة لها من قيام مظاهرات صاخبة موهومة في عربستان او طهران او كرمانشاه ومن تفجير قنابل موقوتة هنا وهناك من منظمات شعبية الخ . وقد وصل مستوى اعلامنا الى درجة ان كنا نعرض افلاما تلفزيونية عن بعض القرى العراقية تظهر فيها النساء بالزي الايراني القروي , وبعض الاطفال وهم يلبسون البسة ممزقة ونقول انها بعض مناطق طهران . وأذكر مرة ان الذاكرة لم تسعف مديرية الاذاعة والتلفزبون في انتاج افلام جيدة لعرضها على الشعب , فعرضت فيلما ظهرت فبه صورة الشاه , وقال المذيع : هذا هو الشاه ثم عرضت صورة شاة عليها علامة + , وظهرت تحتها عبارة شاة . وكانت نتجة هذه الحملات : ان الحكومة الايرانية جندت هي الاخرى طاقتها للدعاية ضدنا . وقد وقعنا من اجراء ذلك في (( ورطة )) ذلك لان حكمنا لم يكن قد تركزت اقدامه في الداخل بعد , وكانت نقمة الشعب من تصرفات أفراد الحزب الصبيانية تزداد يوما بعد يوم , بحيث ان كل ليلة كانت تمر علينا كنا نحس التاثير الكبير الذي كانت اذاعة اهواز تتركه على مشاعر الشعب . وهكذا انعكست الاية ضدنا فبتنا نخشى الانقلاب ! وتحسبا لاي طارىء اجرينا تنقلات واسعة في صفوف الضباط كما احلنا الكثير منهم الى التقاعد , وأسسنا دورة لتخريج الضباط من البعثين مدتها ثلاثة اشهر فقط , كان يتخرج منها الشاب وهو لا يعرف من امور الجيش الا كيف يتجسس على تحركات الضباط الكبار , وأمرنا كل الضباط بالتقيد باوامرافراد الحزب هؤلاء …

كما جردنا الجيش من الذخيرة الحية , واستوردنا من بريطانية اذاعة خاصة لا تزال غير مستعملة وركزناها في القصر الجمهوري لاستعمالها وقت الحاجة . ومن ناحية اخرى وزعنا القواعد الجوية على خمسة عشر منطقة . وقررنا ابعاد المعسكرات المحيطة ببغداد … وفي غضون الايام الاولى من هذه الاجراءات عشنا اياما عصيبة في القلق الكلي , والحذر , وقررنا التخلص من كل من يرفض التعاون الكلي معنا ,على اساس : – (( من لم يكن معنا فهو ضدنا )) وقمنا باعتقالات واسعة في صفوف مختلف الفئات . كما اعدمنا وجبات باسم التجسس والعمالة , بعد ان اجرى تعذيبهم في قصر النهاية على ايدي خبراء من المانيا الشرقية في التعذيب . وقمنا بمصادرة اموال كبار الملاك , بما في ذلك اموال جامعة الكوفة التي كانت تقدر بأكثر من 000/ 035/ 4 ديناروالتي كان مقررا لها ان تقام في مدينة الكوفة شرقي النجف واعتقلنا بعض المسؤلين عنها . واعتبر ابو هيثم الظروف مهيئة للقيام بتسفير الايرانين من العراق ودعونا لذلك الى الاجتماع في القصر الجمهوري حيث جرت محادثات بين بعض اعضاء مجلس قيادة الثورة بشأن ذلك . وقترح صالح مهدي عماش ان يجري تمشيط شامل لكل الحاملين للجنسية الايرانية , وتسفيرهم الى ايران … وقال : – انها فرصة العمر , ويجب استغلالها للتخلص من الايرانين خلال شهر واحد فقط , وبذلك تخلق مشكلة كبرى لايران , لان الايرانين المقيمين في العراق يتجاوز عددهم النصف مليون نسمة , وهذا العدد الضخم يكفي اذا تحول الى لاجئين ان تخلق مشكلة كبرى لايران كما ان العملية ستوفر لنا اموالا ضخمة لاننا سنمنعهم من نقل اية نقود او حاجيات الى ايران … وهذا يعني الملايين ..وتقرربعد مداولات ان يجري تعديل على اقتراح عماش بحيث يجري تسفيرالايرانيين على مراحل , وان يتم ذلك خلال الستة اشهر , وليس الشهر – كما اقترح عماش – . وهكذا ابتدأت السلطات الخاصة بتسفير الايرانيين بصورة جماعية بدءا من بغداد والكاظمية وانتهاء بالنجف وكربلاء .. والحلة والبصرة . ومن سؤ التقدير فقد وقعت حوادث التسفير قبل ايام قليلة من يوم (( الاربعين )) وهواكبر موسم يقوم فيه العراقيون بزيارة مدفن سيدنا الحسين رضي الله عنه في مركز محافظة كربلاء , بأعداد هائلة تبلغ المليون نسمة بعض المرات . ويقومون هناك بتنظيم مسيرات عزائية كبيرة , قد تنقلب الى مسيرات ومظاهرات سياسية . وكان بهذه المناسبة : الشيخ محسن الحكيم كبير علماء الشيعة يقوم بزيارة المدينة مع الجماهير الغفيرة وما ان سمع بنبأ الاعتقالات حتى قطع زيارته لكربلاء عائدا الى النجف , احتجاجا على ذلك مما أثار الجموع التي كانت هناك , وبتنا ننتظر رد فعل عنيف من جانب الجماهير . ودعيت الى القصر الجمهوري لاحل هذه المشكلة .. ودائما كانت القضية هكذا : فالحكومة كانت تتخذ قررات كيفية غير مدروسة حتى اذا واجهت مشاكل منتظرة او غير منتظرة تدعوني الى حلها , فأنا كما قال الرئيس مرة : (( حلال مشاكل البعث )) يومها سافرت الى كربلاء ومنها الى النجف للاجتماع بالشيخ محسن الحكيم في محاولة لمنع حدوث اية أزمة معه , وكان الوقت عصر يوم الاربعين 20 / صفر / 69 وتقرر بث اشاعة في كل الانحاء تفيد بأن الحكومة قد قررت الامتناع عن تسفير الايرانيين . مما هدأ فعلا من ثورة الجماهير التي كانت تحتشد في كربلاء , ومنع حدوث اي رد فعل . وقد حملت معي من بغداد تعليمات خاصة بشأن التفاوض مع الشيخ محسن الحكيم حول شط العرب , على الاساس التالي : أن يطلب الشيخ محسن الحكيم من الحكومة الايرانية الانسحاب عسكريا من ضفة الشط واحترام اتفاقية شط العرب القديمة , في مقابل الافراج عن كافة المعتقلين الايرانيين , والكف عن تسفير اي ايراني , وكنا نأمل بذلك , أن يطالب الشيخ محسن الحكيم حكومة الشاه الانسحاب , حتى اذا لم تستجيب له حكومه قمنا بحملة دعائية جديدة ضدها , ولا بد أن نربحها , ذلك لان الشعب الايراني كان له علاقة خاصة بالشيخ محسن الحكيم , وكانت للاخيرسلطة روحية كبيرة على كل الشيعة في العالم , مما كانت اثارته ضد ايران تعني كسب الشعب الايراني , وكافة الشيعة الى جانبنا .

وقبل أن اتوجه الى النجف طلبت من الرئيس أن يعطني صلاحيات واسعة لاتخاذ القرار الذي اراه مناسبا بشأن حمل الشيخ محسن الحكيم على الوقوف معنا .. في الصراع مع ايران .. وأجاب طلبي . رغم مخالفة عماش لذلك . وفي النجف أجتمعت بالشيخ الحكيم في بيته وطلبت منه أن يكون الاجتماع مغلقا أي بيني وبينه فقط .. ونزل عند رغبتي . وقد جرت بيننا محادثات دامت أكثر من ساعتين ونصف الساعة , شعرت بعدها : أن الشيخ الحكيم قوي وذكي ألى درجة كبيرة , وأنه يؤمن باستمرار ولاء الشعب له , اكثر من اللازم . وفي المحادثات شرحت له : كيف ان الحكومة الايرانية تحاول جر الجيش العراقي الى معارك جانبية لالهائه عن فلسطين , وذكرت أن لدينا معلومات تؤكد ذلك . . ولكن الشيخ محسن كان اذكى من أن ينخدع بمثل هذه الامور فقد اجابني قائلا : – ان أي حرب لا يمكن أن تكسب الا بوجود جبهة داخلية قوية , واذا كانت هناك مثل هذه الجبهة فأن باستطاعة أية حكومة أن تحارب اقوى دولة , والايرانييون ليسوا مجرد جالية مهاجرة انهم عراقيون اصلا , ونسبا , ولكنهم عراقيون حرموا من الجنسية العراقية في العهودالسابقة , والقيام بطردهم – بالاضافة الى أنه عمل غير انساني ومخالف لابسط المبادىء الانسانية – فأ ن من شأنه أن يضعف الجبة الداخلية التي انتم بأمس الحاجة اليها . وأَضاف : لنفرض أن الحكومة الايرانية ظالمة خمسمائة بالمائة فما شأن الايرانيين العزل المسالمين الذين ولدوا .. وربوا .. وعاشوا في العراق , بموقف ايران ؟

هذا وأثاربالاضافةالى ذلك قضية اعتقال بعض السياسين من امثال البزاز وغيره , كما اثار قضية القرار الذي اتخذته القيادتان القومية والقطرية في 4 / نيسان / 69 والذي ينص ب (( ضرورة القضاء على الرجعية الدينية باعتبارها العقبة الكبرى في طريق مسيرة الحزب )) وقد انكرت القرار في أول الامر , ولكنه أخرج لي مجلة (( العمل الشعبي )) عدد 7 / نيسان / 69 وأراني الفقرة كما جاءت في القرار .. فذكرت له انه لا علم لي بالقرار , وأنني سبحث الموظوع مع مجلس قيادة الثورة , ثم طالبته لتسوية كل ذلك أن يطالب ايران باحترام اتفاقية شط العرب السابقة , ووافق الشيخ محسن على ذلك بشرط واحد وهو : أن تطلب الحكومة العراقية هذا الامر منه رسميا وبتوقيع من شخص رئيس الجمهورية العراقية حتى يحق له التدخل في القضية .. بالاضافة الى الكف عن عمليات الارهاب والاعتقال , ولافراج عن المساجين الذين كان عددهم انذاك خمسة وعشرين الف سجين , وأنني افكر الان ان ذلك كان نابعا من ذكاء الشيخ الحكيم الذي عرض علينا شروطا تعجيزية حتى يتهرب من الوساطة , وأعتمادا على الصلاحيات الوسعة التي كانت لي فقد وافقت على الشروط لانني رأيت ان عدم الموافقة سيكلفنا كثيرا , ذلك لان الشيخ محسن سيقف اذ ذاك ضدنا , مما يعني أن يصبح لخططنا مردود عكسي , فنخسر نحن الشعب الايراني , من دون ان نكسب الشعب العراقي ايضا. ورجعت الى بغداد , واجتمعت فور وصولي الى ابو هيثم واخبرته بكل ما جرى , ولكن رفض بشكل قاطع أن يطلب رسميا من الشيخ الحكيم التدخل لحساب العراق , باعتبار ان طلب الحكومة ذلك بصورة رسمية من مقام غير مسؤول رسميا سيحط من هيبة السلطة , اذ يعني فشل الحكم في حل مشكلة الحدود , وتشبثه بمقام غير حاكم .. بالاضافة الى ان ذلك – في نظر ابو هيثم – كان يعزز من مكانة رجال الدين , وهذا ما كان يتناقض مع مهمتنا في الحكم .. وعبثا حاولت اقناعه بوجهة نظري التي كانت تقوم على اساس عدم خلق مشاكل داخلية مع وجود مشاكل خارجية … وبدلا من ان تنفرج الازمة اشتدت بشكل رهيب , فقد فتحت حكومتنا اربع جبهات في وقت واحد : جبهة ضد العناصر السياسية أمثال عبد الرحمن البزاز وعبد العزيز العقيلي , وطاهر يحيى … الخ . وجبهة ضد الايرانيين المقيمين الذين بدأنا باعتقالهم جماعات جماعات وجبهة ثالثة ضد ايران . وجبهة رابعة رجال الدين مع ما كان لهولاء من سلطة كبيرة على قطاعات واسعة من الشعب ولكن الرئيس كان مصمما على خوض الجبهات الاربع معتبرا ذلك كسبا عربيا !

وقد أنهكتنا جبهة رجال الدين أكثر من غيرها من الجبهات ذلك لاننا بعد ان قطعنا الامل من كسب قضية شط العرب بعد رفض طلب الشيخ الحكيم بدأنا بالانتقام من بعض رجال الدين الذين قاموا ضدنا بعد 18 / ايلول / 63 , والذين وقفوا الى جانب الشيخ الحكيم واعتقلنا في يوم واحد خمسة من كبار رجال الدين , لاتهامهم بالعمالة والتجسس , وانتزاع الاعترافات منهم ,في محاولة بشن هجوم كاسح عليهم , وتصفيتهم نهائين داخل العراق . وقد ادخلنا الكثير منهم في قصر النهاية , وهو القصر الخصوصي الذي كان يسكنه عبد الاله ولي عهد الملك فيصل الثاني , وقد تحول القصر الى مركز تعذيب كبير للسياسيين ورجال الدين , والاكراد , وبعض التجار فيما كنا ننتزع الاعترافات القسرية بالعمالة والتجسس , التي ضحك العالم علينا , بفعلها !

ويعلم الله انني لم اكن راضيا باجراء التعذيبات ولكن ماذا كنا نستطيع أن نفعل بغير ذلك لتصفية الحسابات مع المعذبين ( بالفتح ) ؟ وهل كانت هناك طريقة اخرى لتبرير الاعتقالات , والاعدامات ؟ ان ما فعلناه كان نسخة طبق الاصل لما فعله ستالين , وكان نجاحه في تصفية مناوئية يغرينا بذلك ولكن رجال الدين عندنا لم يعترفوا بشيء مما كنا نطالب به بالرغم من كل اساليب التعذيب المختلفة التي مارسنها معهم , والتي كانت من ابسطها التعليق بالمروحة منكوسا لمدة 24 ساعة كاملة . وقد مات واحد منهم وهو الشيخ عبد العزيز البدري تحت التعذيب ووصلت انباء مقتله الى خارج العراق مما اثار جبهات واسعة ضدنا , كما ان تعذيب واحد اخر منهم وهو الشيخ حسن الشيرازي أثار كل شيعة العالم تقريبا , فوصلت الى مقر قيادة الثورة ما يقرب من بعضة الاف برقية استنكار بشأنه من داخل العراق وخارجه كما قامت ضدنا مظاهرات في الهند وباكستان وايران . وفي غمرة حملات الاعتقال التي كانت تتصاعد بصورة مستمرة سالت احمد حسن البكر : – الى متى ستمضي بنا الاعتقالات ؟ فأجاب – : الى ان يفرغ العراق لحكمنا .. أليست خطوة حكيمة ؟ قلت – : قد يكون .. ولكن العالم لا يستطيع أن يهضم هذه الفكرة . فقال المهم اننا نستطيع ان نهضمها . قلت ان كثرة المعتقلين سيثقل كاهل الحكومة . فقال سنزيد من الضرائب .. وسنامر باعطاء وجبة طعام واحدة للمسجون كل اربع وعشرين ساعة .. هذا يكفي . واضاف بلهجة تكريتية خاصة : (( خليهم يموتون هالتي سية .. شنو عبالك راح انجيبهم بالقصر الجمهوري ونيمهم على المنادر ؟ )) .

محمد كاظم الجادري …………….. (ابو ميثم الحياوي )

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.