الصرخة الحسينية / الجزء الخامس

الصرخة الحسينية / الجزء الخامس
بقلم : عبود مزهر الكرخي

والآن لنأتي الى مناقشة الشق الثالث من المقولة التي ناقشناها في جزئنا الرابع والتي تقول (…ولا تقاس عاشوراء بحوادث الدهر، بل بمنعطفات الكون)فمن المعلوم ان الاحرار والثوار ينقضي دورهم او نضالهم بانتهاء حياتهم ويتم ذكرهم في التاريخ والاشادة بهم على انهم قاموا بدور نضالي في تلك الفترة من اجل خدمة بلدانهم وشعوبهم والتحرر من الطاغوت او الدكتاتور في ذلك وينتهي فصل هذا الثائر عند هذا الحد واعتبار استشهاده وحتى المذابح التي تجري من قبل الطواغيت التي من نوائب الدهر والحزن عليه كما فعل الكثير من القتلة والديكتاتورين مثل فرعون وهولاكو والكثير من غيرهم بجرائم بحق شعوبهم.
ولكن في ملحمة الطف وما جرى في عاشوراء وفي كربلاء هو غير ذلك ولهذا جاءت المقولة التي تقول ان (أن كل يوم عاشوراء ، وان كل أرض كربلاء) للدلالة على ديمومة النهضة الحسينية وما جرى في الطف هو عبارة عن فكر وفكر عقائدي موجود في كل زمان وكل مكان وللدلالة على ان ملحمة الطف تمثل منعطف كوني في الفكر الإنساني لا يقاس بمثل ما يحدث لبقية الثوار والأحرار بل هو يمثل مرحلة مهمة في بناء الفكر الإنساني وانتقاله مهمة ومتقدمة في بناء الإنسان الرافض للظلم والباطل وبكل أشكاله ليحل محله العدل والحق وبأعلى قيمه السامية والعظيمة. وليس واقعة الطف هي وليدة اللحظة الظرفية في ذلك الزمان لتنتهي فصولها باستشهاد الحسين والثلة المنتجبة من أهل بيته واصحابه ، لا بالعكس بل بدأت فصلوها الخالدة لحظة استشهاد الأمام الحسين بعد وقوعه من الفرس وهو مثخن بالجراح وليس في جسمه الا ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم بل كانت هناك سهم مثلث قد أخترق صدره الشريف لينزف الدم كالميزاب ومن هنا تبدأ كتابة الخلود لمدرسة عاشوراء ومافيها من عبر ودروس ليتم وهب هذا الدم الزكي الذي سفك على أرض كربلاء للإنسانية جمعاء من اجل وضع وبناء ركن مهم من أركان الفكر الإنساني القائم على العدل والمساواة ورفض كل اشكال الطغيان والجبروت والظلم بمختلف اشكاله. ولنستعرض الى ما يقوله مستشرق اجنبي عن الأمام الحسين ومن المعلوم ان المستشرقين يؤرخون التاريخ الإسلامي بحجة انهم مؤرخين ويريدون تصوير الدين الإسلامي بحالته المشرقة وبدون أي رتوش ولكن الحقيقة يدسون السم في العسل كما يقال ولا تخلو كتاباتهم من محاولة تشويه للإسلام في كتابات تظهر للوهلة الأولى انها كتابات محايدة وتمجد في الإسلام ولكن يتضح بعد ذلك ومن خلف السطور حقيقة ذلك المحاولات من الكتابة عن الإساءة للإسلام ومحاولة قلب الحقائق وتصوير كل شيء بغيض ومدمر في ديننا الحنيف. ولنرجع الى ما يقوله هذا المستشرق حيث يذكر مستر توماس لايل “…ولم يكن هناك أي نوع من الوحشية أو الهمجية، ولم ينعدم الضبط بين الناس فشعرت في تلك اللحظة وخلال مواكب العزاء وما زلت أشعر بأنني توجهت في تلك اللحظة إلى جميع ما هو حسن وممتلئ بالحيوية في الإسلام، وأيقنت بأن الورع الكامن في أولئك الناس والحماسة المتدفقة منهم، بوسعهما أن يهزا العالم هزاً فيما لو وجها توجيهاً صالحاً وانتهجا السبل القويمة ولا غرو فلهؤلاء الناس واقعية فطرية في شؤون الدين.. “* ومن هنا كانت الشعائر الحسينية هي شعائر ترفع قيمة الإسلام وتمجده ولاكما يدعي البعض من أنها تشوه الدين وهي عبارة عن شعائر دخيلة فهذه الشعائر الحسينية هي التي جعلت هذا الأجنبي أن ينظر نظرة إيجابية وكلها حماس للإسلام وان واقعة الطف هي خير من يمثل الإسلام بصورة صحيحة وهي مثلت واقع كوني جعلت الإسلام يسير في مساره الصحيح بعد أن شابه الكثير من الانحراف والتشويه على يد الطلقاء من بنو أمية. ومن هنا فأن عاشوراء والنهضة الحسينية لا تقاس بزمن او يتدخل عامل الوقت في فاعليتها وديمومتها بل كانت هي نهضة استمرارية وحيوية نابضة وبقلب القلب البشري لتديم فعالية الروح البشرية الرافضة للظلم والانحراف والباطل وكل أشكال الوحشية والتعسف لذا فهي نهضة للإنسان من أجل تفعيل حركة البشرية ورفع كل ما يعيق حركة الفكر الإنساني والتي تعني سلب حقوق وكرامة الإنسان ولهذا كان لابد من أن تكون هذه النهضة ممتدة جذورها في عمق التاريخ مادامت الدنيا باقية ومادام هناك جيوش للحق والهداية ويقابله جيوش الباطل والضلالة. ومن هنا كان استبدال الراية الحمراء بأخرى سوداء على قبة ضريح الحسين (عليه السلام) في اول يوم من عاشوراء تعني الكثير من الدلالات الرمزية والعقائدية، أذ تشير الى الحزن على ما جرى لابي عبد الله وأهل بيته وصحبه في ملحمة الطف الخالدة، وهي لدى آخرين قاموس يذكر الاحرار في كل العالم بضرورة الثأر للإمام الشهيد ، ليس من سل السيف عليه وعلى اهل بيته واصحابه فقط في ملحمة كربلاء ، بل من كل ظالم على وجه الارض ، فشهادة الحسين صرخة بوجه الظالمين في كل مكان. ولهذا كانت عاشوراء وملحمة الطف لا تقاس مطلقاً بأي زمان أو مكان أو باي حدود وقصة عاشوراء لم تكتمل فصولها، ولهذا نرجع الى المقولة التي تقول(كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء)وهي مقولة صحيحة مليون في المئة ولا تشوبها أي شبهة او شك ولهذا نجد أن الكثير من الكتاب والمؤرخين يكتبون هذه العبارة الجميلة والتي تقول(إن الشهادة تزيد في أعمار المستشهدين، ألا ترون كيف أن “عبد الله الرضيع” يعتبر اليوم من كبار عظماء الرجال ؟) ولهذا فأن أنصار الحسين وأهل بيته هم اصبحوا العظماء ولتكتب شهادتهم في سجل التاريخ الإنساني وبأحرف من نور وبضمنهم عبد الله الرضيع وكل الصغار وبضمنهم رقية وسكينة وكل من كانوا مع الركب الحسيني الخالد الذي كان ركب نوراني يستمد نوره من السماء ومن الله سبحانه وتعالى وليسدد كل حركة لتكون بتوفيق وأمر من الرب جل وعلا ولتكون محطتهم الأخيرة في كربلاء التي قبل عاشوراء ، كانت كربلاء اسماً لمدينة صغيرة ، أما بعد عاشوراء فقد أصبحت عنواناً لحضارة شاملة. والتي وأن تمزقت رايته .. ولكن لم تنكس ! وتمزقت أشلائه .. ولم يركع ! وذبحوا أولاده وإخوانه وأصحابه .. ولم يهن ! إنها عزة الإيمان في أعظم تجلياتها والشموخ بأعظم قيمه السامية. وليصبح الحسين هو ليس شخص بل مشروع… ليس فرد بل منهج…وليس كلمة بل هو راية ورمز لكل الثوار والأحرار.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* اشتغل في العراق معاوناً للحاكم السياسي في الشامية والنجف بين سنتي 1918- 1921 ومعاوناً لمدير الطابو في بغداد وحاكماً في محاكمها المدنية في كتابه (دخائل العراق ص57-76) بعد أن شهد مجالس الحسين ومواكب العزاء..

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.