الحنين إلى الماضـــي

 

 

شاكر عبد موسى الساعدي

 

دائما الحنين يجرنا إلى الماضي القريب وكما قال الشاعر (كم منزلاَ في الكون يألفه الفتى …. وحنينه أبد الدهر لأول منزل )

 والماضي لا يعود ولا ينسى وأغانيه الجميلة لا زالت عالقة في الذاكرة سليمة باشا مراد ( على شواطي دجله مر ) وزكية جورج ( أنا من أكولن آه ) ولميعة توفيق ( يالماشية بليل لهلج ) ووحيدة خليل ( جا وين أهلنا ) وناظم الغزالي (أي شيء في العيد أهدي أليك ) ويوسف عمر ( جي ما لي والي ) وحسين نعمه ( يا حريمه ) وحميد منصور ( على مهلك ) وغيرهم من عمالقة الطرب العراقي.

 

 

كانت رائحة السمك لا تقاوم ولا يطفئها سوى شراب بيبسي كولا  الشركة , وكانت ساعة (الجوفيال والفلكه) في أيدي شباب المحلة أغلى ما يملكون وأكثر حداثة , كانت حبات المطر أكثر اكتنازا بالماء وأخبار الساعة  الثامنة مساء ًاخف دماُ ومذاق الشمس في وجوهنا أطيب والطرقات أقل ازدحاماً, وبنات المدارس يخبئن أنوثتهن بين ملابس الزى الموحد والعباءة ..

 

أيام زمان كانت غمزت المطربة – سميرة توفيق – أكثر مشاهدات التلفزيون جرأة وإثارة وهي تغني- يا عين  موليتين يا عين موليه , وكانت أجرة الباص 15فلسا فقط وهي تجوب بك الطرقات من مركز المدينة إلى أقصاها , كان الحليب والجبن والقيمر أنتاجنا المحلي نشتريه طازجا للبيت في الصباح , والصحف تنشر جميع أسماء الطلبة الناجحين بامتحان البكالوريا ومعدلاتهم .

 

ومجلة المختار  وألف باء المستعملة نشتريها بعشرة فلوس , وكانت المناديل (ألجفافي) توزع مع دعوات الإعراس ومعها جكليت (ملّبس) ملفوف بال سيلفون, والجارة تمد يدها من خلف الباب بقوري الشاي للزبال فيمسح عرقه ويستظل بالجدار , أيام زمان كان سيارة نقل الركاب ( الباص ) هي الأكثر شعبية وجمالاً, وصندوق السعادة أهم برامج المسابقات التلفزيونية , ولم نكن نعرف بعد ملمع أحذية سوى أبو التمساح, كان الكمون يوصف علاجا للمغص والزعتر والورد للإصابة بنزلات البرد , والأولاد يقبلون أيادي الجيران صباح العيد , والجكليت والواهلية وصينية الزلابية في مقدمة أحلام الطلبة الناجحين , وكانت أم القيمر تحمل أطباق القيمر والزبد واللبن إلى بيوتنا , كانت جريدة البلاد والأخبار مصدر معلوماتنا وكانت مجموعة غازي من أجمل رسوم الكاريكاتير … وكانت صورة المطربة صباح على ظهر المرآة اليدوية المعلقة على الحائط , وكان التلفزيون يفتح ويغلق شاشته مثل أي مطعم أو محل تجاري , أما جامعة بغداد والبصرة  والموصل كانوا كعبة العلوم الإنسانية والعلمية وحلم طلاب المدارس في جميع محافظات العراق , و رسائل الغرام فأنها تكتب على أوراق تبيعها المكتبات العامة مطرزة ومزينة بالفراشات والورود الملونة قبل ولادة الموبايل والانترنت .. أيام زمان كانت جوازات السفر تكتب بخط اليد ولا تحتاج لرشوة ولا إلى وساطة للحصول عليها , وكان السفر إلى تركيا أو سوريا بالقطار المتري, وفيزة أوربا تأخذها وأنت تشرب الشاي أمام مبنى السفارة , كانت البيوت لا تخلو من صوبة علاء الدين ذات البرج الفستقي المتكسر الألوان ومبردات الهلال حلم كل بيت لأن الووتر بمب أحسن من غيره , كان التلفزيون غير ملون ( أسود وأبيض ) يعرفنا يوميا باللامعين من رجال المجتمع منهم – مصطفى جواد – في برنامجه اللغوي و- علي الوردي – في برنامجه الاجتماعي و- مؤيد البدري – في برنامجه الرياضي كل ثلاثاء و- كامل الدماغ – العلم للجميع كل أربعاء ومسلسلات عراقية مشوقة خلدت في الأذهان والقلوب – سليم البصري – و- حمودي الحارثي – تحت موس الحلاق و- خليل الرفاعي أبو فارس – في قهوة عزاوي

 

أما مباريات كرة القدم فأنها تجمع عشرات الألوف من الجماهير في الملاعب المفتوحة لنشاهد – عمو بابا – رائد الكرة العراقية وهدافها البارع و- نوري ذياب – و- كوركيس إسماعيل – و- قاسم زويه-   وهشام عطا عجاج … كان رجل الدين ( الملة ) يعلم الناس القراءة والكتابة ويدرسهم القرءان فقط ولا يتدخل في سياسة الدولة ولم يقل لهم أن السنة أو الشيعة خير خلق الله وعندما مات الملة بقيت قلوبهم عامرة بالأيمان وقصص الأنبياء وحب الوطن والناس .. حينها لا يستطيع أي قمر اصطناعي أن يعرف من فيهم السني  ومن فيهم الشيعي ومن فيهم المسيحي ومن فيهم الصابئي ومن.. ومن .. وكان الكابتن – رعد حمودي – أفضل حراس المرمى , الناس آنذاك يهنئون بعضهم البعض أو يعزون بكيس سكر أبو خط الأحمر, والأمهات يغسلن الأولاد بالطست , والهدايا يحملها الناس لزيارة المرضى عند خروجهم من المستشفى , حينها كان مذاق الأيام أشهى والبرد جعل أكف التلاميذ حمراء ترتجف يفركونها بعضها البعض,  كانت لهجات الناس أحلى وأوضح و قلوبهم أصفى من ماء الذهب , كان الموظفون ينامون قبل العاشرة ليلاً ليصحوا باكرين

, والزوجة في يوم الجمعة تخبئ فخذ الدجاجة وكبدتها لكي تقليها للزوج دلالة على الاهتمام به , الحياة آنذاك  أكثر فقراً وبرداً وجوعاً لكنها كانت أكثر أمناً واستقراراً  أنها مفعمة بالناس الطيبين أمثال الدكتور – جاك عبود ألشابي – الذي كان يتفرغ ثلاثة أيام في الأسبوع لمعالجة الفقراء دون اجر .. لكن الحكومة العراقية أسقطت عنه الجنسية العراقية عام 1972 لأنه عراقي يهودي , واليوم لدينا أطباء ليسوا بيهود شغلهم الشاغل أفراغ جيوب الفقراء . 

في الزمن الجميل الابن لا يدخن السيجارة بحضور معلمه أو والده حتى لو كان الولد متزوجا وعنده أولاد وكذالك الأخ بالنسبة لأخيه الأكبر زيادة في الاحترام كما لا يضع (رجل على رجل ) أثناء الجلوس في مجلس يجمعه بمن هو اكبر منه سنا كما أنه ينهض هو وجميع الحاضرين عند دخول رجل اكبر منهم سنا وتلك لعمري من الصفات الحميدة

في عراق اليوم يتشدق خبراء الاقتصاد بالخصخصة والاستثمار والتنمية والمعامل مغلقه والفلاحين هاجروا المدن ونحن نعتمد بالأكل والشرب من الخارج , أي مصير ينتظرنا واقتصادنا مشلول بالمستورد الأجنبي  ؟..  الصين الشعبية نفوسها مليار ونصف المليار نسمه واقتصادها متطور وقد وصل إلى حد الاكتفاء الذاتي …… أما نحن الخضروات والألبان من إيران وملابس الرجال والنساء والأطفال من تركيا وسوريا والرز من الهند وأمريكا والسكر من كوبا ومصر والحنطة من استراليا وحليب الأطفال من فرنسا وقناني الماء من الكويت والسعودية ولحم الكنغر وفرس النهر من الهند وايرلندا     . 

لقد ضيعنا العمر في الحروب والاقتتال الداخلي و ماذا كانت النتيجة ؟ شعب مشرد في بقاع الأرض وأخر مهجر في وطنه الأم  ,عصابات القتل هنا وهناك تغتال المفكرين والأدباء والعلماء وتسرق البسمة من وجوه الأطفال … رحم الله الماضين من أجدادنا وآباءنا في زمن الطيبين الذين عاشوا معنا تلك اللحظات السعيدة , ولعن الله من أشعل الحروب في عراقنا الجريح من الأولين واللاحقين إلى يوم الدين .. وكما قال المطرب العراقي كريم منصـــــــــور (  تعبنا والعمر عدا , الزمن عدا …………………………. وكلنا يا عمر هدي , يا زمن هدي ولا هدا) .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.