الحقيقة لا تؤلم العقلاء بل الحمقى والجهلاء

الحقيقة لا تؤلم العقلاء بل الحمقى والجهلاء

علي الكاش

قال الله تبارك وتعالى‎ ‎في سورة العنكبوت/41 (( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ‎ ‎اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ ‏اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ‎ ‎أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)). ‏
مازالت أصداء مبحثنا السابق حول القول المنسوب لغاندي بأنه تعلم من الحسين بن علي كيف يكون ‏مظلوما وينتصر تعلو يوم بعد آخر، وأرسلت على بريدي الخاص العشرات من التعليقات، وقرأت على ‏المواقع عشرات أخرى، جميعها انطوت الى ناحيتين اولهما: الإساءة والشتم من قبل المعلقين على ‏الكاتب لأنه قال الحقيقة المرة، وثانيهما: التركيز على المقارنة التي اجريتها بين شخصيتي غاندي ‏والحسين من الناحيتين الفكرية والعملية، وهذه المقارنة إستلزمتها صيغة الحديث وليس من عندياتنا. ‏الغريب في الأمر لم يعترف أي من المعلقين ان هذا الحديث مكذوب على غاندي،فقد بلعوا لبٌ ‏الموضوع، وركزوا على أمور هامشية.‏
قال الرّاضي بنُ المُعَتمدِ:‏
مَن يُوقدِ النَّارَ لَا ينكر حَرَارتَهَا … قَد تُحرقُ النَّارُ يومًا مُوقدَ النَّارِ
‏(الحلة السيراء). (الدر الفريد).‏
من البديهي عندما يتأثر شخص ما بثائر او كاتب او شخصية معينة كأن يكون أبيه او صديق له، ويتعلم ‏منه فلابد ان تكون هناك قواسم مشتركة بين المؤثر والمتأثر، سيما عندما يتعلق الأمر بثورة قلبت ‏الموازين في الهند وحررتها من الإستعمار البريطاني، وإلا كيف نحكم على الأمر عندما تنتفي القواسم ‏المشتركة، ولتقريب وجهات النظر، تأثر معظم الصحابة بشخصية النبي (صلى الله عليه وسلم)، وتركت ‏شخصية الرسول إنطباعات دينية واخلاقية واجتماعية عند الصحابة، وكانوا يسألونه في الكثير من ‏المسائل العامة والخاصة لغرض الإقتداء به.‏
البعض أطلق علينا صفة الطائفية، وهذا سلاح الجهلة والضعفاء، لأنهم يصنعون لأنفسهم رموزا مقدسة ‏لا معنى ولا قيمة لها، الرموز الدينية محترمة ولكن ليست مقدسة، القداسة لله تعالى وكتبه فقط، وعندما ‏نقول محترمة فهذا لا يعني انها خالية من المثالب والأخطاء، وهذا ما نص عليه القرآن الكريم، ليثبت ان ‏العصمة لله وحده، ولا عصمة للأنبياء والرسل إلا في التبليغ، أي بنقل كلام الله تعالى الى العباد، مما ‏يتطلب العصمة في نقل الكلام. أما العصمة التي إدعاها مراجع الشيعة لأئمتهم فلا يوجد نص عليها، لا ‏في القرآن الكريم ولا في الأحاديث النبوية الصحيحة، انها بدعة خرقاء مضرة ولا منفعة منها البتة، لأنه ‏لو تتبعت سيرة أئمة الشيعة، ستجد ان العصمة لم تنفعهم، ولو كانوا معصومين، فهذا يعني انه لا فخر لهم ‏في أعمل او قول تحدثوا به، وانما الفخر لمن عصمهم، وهم بعصمتهم سيخرجوا من نطاق البشر ‏الطبيعيين الى الخارقين.‏
ولأن القرآن الكريم خالِ من اية إشارة الى علي بن أبي طالب وذريته، جرٌ هذا الأمر مراجع الشيعة ‏للقول بتحريف القرآن الكريم، وألف احد ابرز مراجعهم النوري الطبرسي كتابا بعنوان (فصل الخطاب ‏في تحريف كلام ربٌ الأرباب) وطُبع طبعة حجرية في ايران ، وكان هذا الكتاب لا يسمح بتداوله الا ‏بين كبار المراجع، وفي قوائم الكتب المطبوعة في ايران كانوا يكتبوا العنوان (فصل الخطاب) فقط ‏دون إكماله (في تحريف كلام ربٌ الأرباب) لغرض لا يخفى عن لبيب. ومن لا يقل بالتحريف أما انه ‏يتبع عقيدة التقية وهي تسعة أعشار الدين الشيعي حسب قول جعفر الصادق، او انه يؤمن فعلا بعدم ‏التحريف، وهذا يجره الى إلزمات من الصعب التبرؤ منها مثل نفي علم الغيب والعصمة والإمامة عن ‏أئمتهم العدم وجود سور قرآنيه محكمة عليها، فهم غالبا ما يتبعوا المتشابه منها، ويأولوه حسب رأيهم.‏
الحقيقة اننا نرفض الأحاديث التي تنسب الى غير أصحابها بحكم الأمانة العلمية، وفي الجزء الثالث من ‏كتابنا القادم (إغتيال العقل الشيعي، الطبعة الجديدة) تناولنا مئات الأحاديث والأشعار التي نُسبت لأئمة ‏الشيعة وهم براء منها، معظمها يعود لأنبياء وفلاسفة وشعراء وأدباء، ولا نفهم ما الغرض من هذا ‏التدليس فلا الأئمة يحتاجون لهذا الرياء، ولا الشيعة في حاجة لها، فالأئمة لهم مكانتهم الطيبة عند اتباعهم ‏والمسلمين عامة ولكن دون المغالاة في أمرهم. ‏
ونقدنا هذا لا يتعلق بأئمة الشيعة فحسب وانما يشمل جميع ما نطلع عليه من أحاديث منسوبة لغير ‏اصحابها او الحكم بضعفها، او نُقلت بصيغ أخرى. على سبيل المثال. قرأت في عدة مواقع حديثا منسوبا ‏لعمر بن الخطاب” لو ماتت شاة على شط الفرات ضائعة لظننت أن الله تعالى سائلي عنها يوم القيامة”. ‏وهذا الحديث ضعيف، وجاء بعدة طرق، وبعدة الفاظ منها”‏‎ ‎لو مات جمل في عملي ضياعا ، خشيت أن ‏يسألني الله عنه”.‏‎ ‎‏ ولفظ آخر” وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، لَوْ أَنَّ جَمَلا هَلَكَ ضَيَاعًا بِشَطِّ الْفُرَاتِ، خَشِيتُ ‏أَنْ يَسْأَلَ اللَّهُ عَنْهُ آلَ الْخَطَّابِ”، وغيرها من الصيغ. ‏
لقد ضعف علماء أهل السنة الحديث، ففي رواية ابن نعيم (حلية الأولياء1/53) فيه من الضعفاء يحي بن ‏عبد الله البابلتي، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس، وانقطاع بين هذا الأخير وعمر الفاروق. وفي ‏رواية ابن شيبة، يوجد من الضعفاء أسامة بن زيد الليثي وحميد عبد الرحمن لوجود انقطاع بينه وبين ‏عمر الفاروق، (المصنف/34486). وفي طبقات ابن سعد، يوجد من الضعفاء الواقدي وهو من الضعفاء ‏المتروكين (الطبقات3/350). وفي رواية ابن عساكر، يوجد ‏‎ ‎انقطاع بين الحسن البصري الذي ولد ‏لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب. (تأريخ دمشق44/355). واخيرا في رواية الطبري فيه من ‏الضعفاء عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، قيل فيه ضعيف سيء الحفظ”. (تأريخ الطبري4/202). لذا ‏فالحديث بالمجمل ضعيف.‏
ومن الأحاديث المكذوبة التي رواها الطبراني” إن عمر لحسنة من حسنات أبي بكر” (المعجم ‏الوسط2/158)، حيث ورد بهذه الصيغة” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عمار ! أتاني جبريل ‏آنفاً فقلت : يا جبريل حدثني بفضائل عمر بن الخطاب في السماء فقال : يا محمد ! لو حدثتك بفضائل ‏عمر منذ ما لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ما نفدت فضائل عمر، وإن عمر لحسنة من ‏حسنات أبي بكر”. (مسند ابو يعلي(3/179). وكان في سند الحديث الوليد بن الفضل العنزي وهو من ‏المجروحين، قال ابن حبان عنه” شيخ يروي عن عبد الله بن إدريس وأهل العراق المناكير التي لا يشك ‏من تبحر في هذه الصناعة أنها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به بحال إذا انفرد”. (كتاب ‏المجروحين3/83). ومن رواة السند: إسماعيل بن عبيد العجلي البصري، قال عنه الإمام الذهبي” ‏متروك وضعيف”. (ميزان الإعتدال1/238).‏
لذا فالحديث باطل ومنسوب الى عمر بن الخطاب كذبا.‏
اقول مقدما وعن قناعة تامة، سوف لا يعترض أي من أهل السنة على هذا الموضوع، لأنهم لا يغالوا في ‏الصحابة، بل ويرفعوا عنهم عقيدة العصمة، بإعتبارهم بشر، والخطأ سجية البشر جميعا، والإعتراض ‏دائما يكون من الشيعة العوام والجهلة الذين يسبغون صفات الله تعالى على أئمتهم، والمشكلة انه لا يوجد ‏مرجع واحد قام بغربلة الأحاديث الصادرة عن الأئمة، وغالبا ما تجد حديثا يتعارض مع حديث آخر، وان ‏ذكرت هذا التناقض! قالوا بالتقية وهي المخرج الوحيد لتبرير تناقضات أئمتهم. بل لا يوجد مرجع واحد ‏قام بتكفير من يقول بتحريف القرآن الكريم.‏
هذا هو الفرق بين أهل السنة والشيعة إستخدام العقل والتعقل في الحكم على الأمور، سيما العقائدية منها، ‏لاحظ ان هذه الأحاديث المنسوبة لعمر الخطاب وابي بكر كذبا، لا تقلل من أهميتهم، ولا تحط من ‏مكانتهم، بل على العكس، فهم أنفسهم يعترفوا بأنهم خطائون، على العكس من مراجع وعوام الشيعة. ‏
لذا لا يجد علماء السنة حرجا في تصويب الأحاديث، حتى صحاح أهل السنة قام الشيخ الألباني ‏بتصحيح البعض منها، لسبب بسيط وهو ان الشيخين البخاري ومسلم من البشر، وهما غير معصومين. ‏فأهل السنة يفتخروا بتصويب أحاديث رموزهم ولا يجدوا فيها حرجا، ويتقبلونها برحابة صدر، على ‏العكس من بعض مراجع الشيعة، فقد وضعوا اللجام على رؤسهم الخاوية.‏
والله من وراء القصد.‏
علي الكاش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.