الأثنين. أغسطس 19th, 2019

الجاسوسة البريطانية فرياستارك

الجاسوسة البريطانية فرياستارك

الجاسوسة البريطانية فرياستارك

ترجمة سعدون ابراهيم 
كانت فرياستارك، وهي رحالة بريطانية وكاتبة سياسية، مؤلفة اصدرت العديد من الكتب والمؤلفات واخيرا هي واحدة من عملاء الاستخبارات البريطانية في العراق، كانت ستارك شاهدة عيان على ما جرى من احداث ابان ثورة مايس الوطنية 1941 التي قادها المرحوم رشيد عالي الكيلاني والعقداء الاربعة ضد القوات البريطانية ..

وعبر كتابها (رمال في براثن الاسد) روت الشيء الكثير عن ثورة مايس ولكن من وجهة نظر جاسوسة بريطانية معروفة انذاك اخترنا من كتابها المذكور قصة الايام الاخيرة للثورة ..
*الحاكم العسكري في بغداد
*30 مايس 1941: صمتت المدافع بعد ظهر اليوم ثم عادت لتدوي خلال الليل فرض منع التجوال في بغداد منذ الساعة 8.30وضوعف افراد الشرطة التي تحرسنا في مبنى السفارة البريطانية خشية وقوع مشاكل ، وفي الصباح استيقظنا على منظر عشرين قاذفة قنابل ومقاتلة فوقنا … اهتزت الجدران لهول الانفجارات ويظهر انهم كانوا يقصفون سلاح المدفعية في الكاظمية وربما على طول الطريق الموصل الى “خان النقطة) على بعد ستة عشر ميلا .. كما اعلنت اذاعة (لندن) عن اندفاعنا نحو بغداد . كل واحد هنا بدا شاحبا وشاعرا بان شهرا من الاعتقال كان وقتا طويلا بما فيه الكفاية داخل السفارة . وبالامس (تغديت) مع سعادة السفير وبمعيتنا معظم الموظفين وحتى الفراشين . الزهور وسلاطة الفواكه كانت على المائدة . وفي هذا الوقت ليس هناك ذكر لاحد سوى (يونس السبعاوي) الحاكم العسكري في بغداد!
*الساعة الحادية عشرة صباحاً حلقت طائراتنا بشكل مستمر بينما كان حرس الشرطة منهمكين في حواجز من اكياس الرمل لتامين ابواب السفارة . قطعنا تمويننا هذا اليوم خشية عدم ورود تجهيزات طرية لنا في الايام القادمة.

*الاسلحة في الجوامع
*الساعة الثالثة والنصف مساء سمعت توا من يقول بان (امين العاصمة) قد صرح بما يفيد بان الحكومة قد ذهبت وان العاصمة في يده كما علمنا بان بقايا الجيش المقاوم قد ابعد وشتت . جميع التحضيرات التي شاهدناها والتي افزعتنا كأخذ الزوارق الى الجهة الاخرى من النهر لم تكن في حقيقتها موجهة لنا بل الى بقايا الثوار . الموقف وحيثما كانت قوات الثوار بقى غامضا مبهما ففي الوقت الحاضر لم تكن هناك سوى كتيبتين مواليتين وضع معظم افرادها سلاحهم في الجوامع.
*الساعة السادسة مساء حضر خلال هذه الساعة عدد من المندوبين الرسميين العراقيين ـ امين العاصمة يصحبه ضابط عسكري شاب هو (غازي الداغستاني) مع بعض ضباط الشرطة ـ كانوا يطلبون الهدنة ويرجون الابقاء على الدستور العراقي.
القى سعادة السفير خطبة رائعة باللغة العربية اوضح فيها بانه هو شخصيا والملك فيصل الاول قد وضعا (الدستور العراقي) وانه في ايد امينة ! ارسل الطلب الى القيادة العسكرية البريطانية كانت الابتسامات تعلو وجه امين العاصمة كما كان الضباط ودودين جدا . والشعور بعودة الارتباط (العائلي) كان سائدا ـ وعفا الله عما سلف ـ تصافح الفراشون وعمال الحديقة والاصطبل مبتهجين وهم يرددون …(الحمد الله).

*معلومات طريفة
حضر الوزير المفوض الامريكي وبدا كما لو كان خارجا لتوه من يخت ، سرد علينا معلومات طريفة عن احتجازهم فقد اخذت جميع سياراتهم وقضوا اكثر من ساعة في سرداب بحجة تعرضهم للقصف ولكن شيئا من هذا لم يحدث .. وبعد ان انفض الزوار ولم يكن هناك شيء يثير الاهتمام ـ
 انبرى سعادة السفير متكلما من على درجات السلم فقال (المربع الذهبي ـ رشيد عالي ـ الوزير المفوض الايطالي ، والمفتي ، وصلوا الان قصر شيرين ـ 
وطلبت الهدنة تلغرافيا)  بعد هذا الكلام شاهدنا طائرات تحلق باسراب وتجمعات وتنفض بشكل عمودي وسرعة هائلة وكانت اصوات انفجار القنابل يتواصل وتسمع بشكل جيد تتخللها دقائق من التوقف بين انفجار واخر!
*في الثامنة مساء وصل (فيفيان هولت ) يصحبه اثنان من الضباط العراقيين كان احدهما )غازي الداغستاني) مهذب جدا ولطيف ويتكلم الانكليزية بطلاقة ، كانوا جميعا متلهفين جدا لترتيب (الاستلام) قبل الفجر ، كانت الصعوبة عدم امكانية تمييز حتى (العلم الابيض) في الظلام الحالك فكل شيء معرض لان يكون هدفاً . ثم اتفق على ارسال تلغراف الى القيادة البريطانية في الحبانية ، واذ كان (فيفيان هولت) مستميتا للذهاب وتحمل مخاطر أي اطلاقات في الطريق فقد تقرر ان تميز سيارته بالسير ببطء وانوارها مفتوحة!
* اليوم أول مرة امكنني الخروج من بوابة السفارة ، والتقطت  صورا لشرطة الحرس الذين لم يمانعوا عندما طلبت منهم ذلك.
*31 مايس 1941 توقف القتال حوالي 4.30فجراً ـ وصباحا خرج سعادة السفير مع (جيرالد دوكواري) (2) لاعداد تفاصيل الهدنة كان هناك نشاط وحماس في جميع جوانب السفارة وصل (بيل بيلي)(3) في الليلة الماضية فقد قبض عليه يوم 2 مايس وهو يوزع المنشورات ولقى (معاملة قاسية) فقد ربط مقيد الايدي الى الحائط ولمدة خمسة ايام ولم يحصل الا على النزر اليسير من الطعام وكان الماء يلقى على وجهه عند العطش وقامت (الفتوة) بتعذيبه والقي في سرداب مع المجرمين (كذا ) وقد بدا نحيفا مجهدا ، وسبق ان راى رايتنا تنزل من سارية مبنى السفارة وايقن بهلاكنا فقد خمنت كم كنت محظوظة في خانقين وانا في طريقي الى ايران عندما اعادتني الشرطة العراقية بالقطار النازل الى بغداد . 
ولم يكن هذا حدثا عارضا كما ظننت في حينه فقد كانت لديهم اوامر ، ولولا ممازحتي معهم لما تركوني اذهب (كذا) بالامس قدم ضابط برتبة (عقيد) في حالة مروعة و (عدوانية) طالبا توقيع الهدنة بسرعة حقنا للدماء وصيانة للممتلكات . ترك (فيفيان هولت) هذا المندوب معي وخرج … وبجهد كبير استطعت تهدئته حيث عاد (بات) وتباحث معه بشكل معقول. واخيرا وقعت الهدنة .. كانت شروطها رقيقة متساهلة ، وفي نفسي اعتبرت ان القتال لم ينته بعد طالما ان (غروبا) (4) مازال في الموصل وهم بلاشك سيسيطرون على الشمال ان كان بمقدورهم ذلك.
*1 حزيران 1941: بوابات السفارة مفتوحة جميعا ـ هتفنا لسعادة السفير عندما القى كلمة بيننا ـ جميع السيارات المتاحة استعدت للذهاب لملاقاة (الوصي) قفزت الى احد السيارات ، ومن خلال شباكها بدت الجماهير تغيرت سماتهم بشكل واضح عن الشهر الماضي هذه الاحاسيس الشخصية تاكدت لدي من مراقبتي لسلوك الاشخاص الذين تقوضوا وانهاروا فيما بعد.
*توجهنا عبر الجسر ولم يكن هناك خراب واضح ..كانت سيارات الجيش تحاول تجاوزنا ولم المس أي شعور بالمودة او ترحاب حقيقي كانت هناك نقاط للشرطة في ظل شجيرات خفيضة او دغل كثيف تجاوزنا اسلاكا شائكة ونقاط حراسة مهجورة ، وعند هذا واجهتنا سيارات وتحشدات البريطانيين ـ 
( منظر رائع للجندية) كنت الامرأة الوحيدة في هذا التجمع وارتعت لارتدائي تنورة قصيرة بدون جوارب الا اني استحوذت على معظم التحيات والابتسامات :
خط طويل من السيارات وكانت اشعة الشمس التي كانت تنفذ عبر الشبابيك الخلفية للسيارات المعفرة بالتراب كانها الحراب المسنونة سيارات مسلحة ومعدات حربية ـ لقد فعلنا كل ذلك بكتيبتين فقط .. لقد كانت خدعة كبرى بانت سيارة (الوصي ) ـ الجيش ـ الشرطة ـ الوزراء ـ البريطانيون ـ كان امرا هائلا.
(الوصي ) بدا لطيفا وجذلا ـ بينما كان (نوري باشا ) متعبا مجهدا الى اقصى حد.
التحقت بـ (جيرالد) الواقف هناك بكل بهجة وقد بدا رجال (الوصي) وممثلوه اكثر اهتياجا وعصبية!
اختفيت في سيارة (جيرالد ) بينما كان موكب (الوصي) يتحرك مرة اخرى ويستدير من جانب القوات البريطانية المارة.
وصلت قوات (المستسلمين) بشكل صحيح ولكن تاخروا قليلا وانتهى بهذا القتال ـ وخلال مسيرتنا البطيئة في العودة تقابلنا مع زوار غادروا لتوهم مجلس تشريفات الوصي في قصر الزهور .
لقد كانوا من الشيوخ ورجال السياسة لا احد في يقيني كان في قرارته صديقا مخلصا لنا وفي قصر الزهور كان الجوق الموسيقي يصدح بفخامة واناقة وبدا حرس الوصي في اتم لياقتهم.
هوامش:
1.فيفيان هولت ـ ( السير ـ فيما بعد) القنصل والسكرتير الشرقي في السفارة البريطانية انذاك ـ توفي عام 1960.
2.جيرالد دوكواي ـ ملحق سياسي ـ رسام.
3.بيل بيلي ـ من موظفي السفارة البريطانية في بغداد وعملاء استخباراتها.
4.الوزير المفوض الالماني في بغداد.   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.