التراث البغدادي الضائع

من اراد ان يتصدى لتدوين التاريخ الاجتماعي لمدينة السلام، بغداد ، يجد نفسه امام موروث شعبي اصيل انحدر اليه من الاجيال السالفة بكل ما حملت صدوره! من حكايات وكنايات وامثال عامية وحرف وصناعات واصوات وانغام، ومعظم ذلك الموروث الادبي الشعبي لم يدون ولم تتجرد الاقلام لتقييده وضبطه من افواه العوام قبل ان ينطوي جيل المخضرمين من البغداديين وتنطوي معه صحائف رائعة من تراث خالد صميم فيحرم الخلف ارص السلف.

ان تراث كل قوم هو نتاج حياتهم وبيئتهم وعلى اساسه تدرس السيرة اليومية للفرد، ولقد انحدرت الينا من بقايا تلك العهود الخوالي ما يستحق الحصر والتسجيل ليكون من وراء ذلك تاريخ اجتماعي ادبي لهذه المدينة الخالدة في جبين الزمان.
والغريب في الامر ان معظم الذين دونوا الماثورات البغدادية كانوا من رعيل العلماء، ولم نجد بينهم باحثا اجتماعيا افرد جهده لرصد تلك النتاجات الشعبية، فان شيخ العصر المرحوم محمود شكري الالوسي كان من الاوائل الرواد، في هذا المضمار، بعده تاتي جهود الشيخ (عبد الحميد عبادة). وقد عرف الاول بولعه الشديد في جمع الامثال العامية من افواه اهلها، كما عكف سنوات على جمع مادة كتابه الذي يؤرخ لمدينة السلام ومساجدها ومعاهد العلم فيها، كما ان الشيخ استاذنا جلال الحنفي البغدادي كان من الرواد الاول في مضمار الماثور البغدادي ولعله اعزر هؤلاء الباحثين انتاجا. ويعتبر كتابه (معجم اللغة العامية البغدادية)، من امهات المصادر التراثية النادرة التي تزهو بها بغداد لما انطوى عليه من نفائي في الامثال والمواقع والشخصيات والاستطرادات وهو جهد تنوء به الجماعة المختصة ولو اوكل اليها مثل هذا العمل فيكف وهو جهد فردي دائب على مدى سنوات العمر؟!.
كما ان الاب انستاس الكرملي هو الاخر من رجالات سلك الكهانة ولعل اهتماماته الدقيقة وابحاثة العميقة في التاريخ البغدادي قد اكسب الاجيال ثروة رائعة بما نشره وحققه واستقصاه. ومجلة (لغة العرب) خير شاهد لخير رائد وكانت السيدة (عائسة الهاشمية) من السابقات اللاتي عكفن على جمع المثل البغدادي والحكايات الشعية، ولها في ذلك مجالس رائعة تذكرنا ببغداد في زاهي عصورها ، وهذه السيدة من بيت علم وادب، درست على يد والدها السيد يحيى بن السيد عبد القادر الهاشمي وترددت على مجالس الوعظ والارشاد واولعت بالتفسير القصصي للقرآن الكريم وشاركت اشقاءها الشعراء الادباء في دراساتهم، وارسلت الاسئلة الى شيخ الوقت (علي علاء الدين الالوسي) رحمه الله وعلمت الكثيرات من نساء محلتها القراءة والكتابة والقرآن الكريم والحديث الشريف، كان لها مجموع من الامثال الشعبية البغدادية استعان به شقيقه (محم الهاشمي) في تاليف مجموعته الرائعة التي جعلها العميد (عبد الرحمن التكريتي) مصدرا هاما لموسوعته الشعيرة في الامثال العامية البغدادية، والذي سمعناه منها خلال الاربعين السنة الماضية ودوناه عن لسانها يعتبر بحد ذاته مجموعة نادرة للمثل البغدادي في جانب الكرخ وباللفظة التي كان عليها قبل قرن من الزمان.
كما استعان بها رجل من ابناء عمومتها هو المرحوم (ناجي شاكر) اللواء الركن ومدير الاعاشة العام سابقا في تاليف كتابه – الذي لم يشرحه – عن امثال بغداد في القرن الماضي.
ولقد اطلع المرحوم (توفيق السويدي) على مسودة هذا الكتاب النفيس ونصح مؤلفه بشرحه وتبويبه ونشره خدمة لتاريخ مدينة السلام.
ان التطور المادي السريع والانتقال الهائل الى عصر الالة يتطلب من الانسان ان يحتفظ بثروته التي الت اليه من حكايا الجدات واسعار الليالي واساطير السنين الخوالي، فالتاريخ الاجتماعي لهذه المدينة التي تشهد اليوم تطورا في مسيرة نهضتها المعاصرة يستدعي تنشيط حركة توثيق فكر السلف، فابناء الاجيال الاتية لا تعرف اين يقع (نهر المسعودي). كما انا لا تدري اين هو اليوم 0درب ابو علي) لانها شهدت متحفا ضخما يقوم على ارض بستان الارضروملي في كرخ بغداد، وهي لاتستطيع ان تحدد بالضبط (دربونه طنطل والعبدروسي) لانهما صارا في عالم الزوال وامتدت على ارضهما ساحة الطلائع، اما (درب الشط ودربونه العبيد وزقاق السادة والدهدوانة) فتوشك ان تكون قد انطمست معالم اسمائها لطغيان اسماء جديدة عليها، وحركة توثيق التراث يجب ان ترافقها حركة توثيق الاسماء والمشاهد والمحلات والدروب والبقاع، فما كانت لالامس البعيد او الامس القريب خانات وزوايا وازقة وطاقات اصبحت اليوم ساحات وشوارع وارصفة وعمائر، والدرابين التي كانت مغلقة بظلام القرون واشباح الماضي صارت الان مسالك واضحة وطرقات معبدة لايغشاها الظلام، هذا التحول من حياة الى حياة ومن نهج الى نهج ومن بيئة الى اخرى لازمة تحول اخر في الاسماء والاعلام والعناوين، فحركة التوثيق يجب ان تاتي على ذلك كله وتجعله مندرجا ضمن عمل منهجي موسوعي لايترك شاردا او واردا الا اتى عليه.
يذكرني هذا الكلام بما فعله المرحوم (علي مبارك باشا) وهو ابو التعليم في مصر والوزير الخطير في عهد من ادق عهودها، لم يانف هذا الباشا من ان يقوم بنفسه بسياحة خططية في دروب مصر ودار بينها ودورها وقصورها ومساجدها وسبل الماء على فارعات الطريق الثكايا والزوايا والقلاع ليسجل اثره الضخم النفيس الذي اطلق عليه اسم (الخطط التوفيقية) فيترك للاجيال ثروة رائعة في خطط القاهرة المعزية وما فيها من معالم ومشاهد واثار.
وهذا اديب مصر الكبير واستاذ شوقي وحافظ المرحوم (حفني ناصف) يترصد للغة الصعيد فيسجل غريبها ويقيد اواصر لهجة القوم ويخلد ذلك كله في كتابه (غريب لغة الصعيد) وكذلك ما فعله العلامة (احمد امين) في كتابه (قاموس العادات والتقاليد) الذي يدل على جهد متاصل وتعلق صميم بتراث عامة الشعب في افراحه واتراحه، ومثل هؤلاء العلامة (احمد تيمور باشا) في العشرات من ابحاثه وفي معجمه عن الامثال العامية المصرية وكتابه في الكنايات.
ولقد روى لي شاهد عيان انه رافق محمود الالوسي في جولته على مساجد بغداد وثكاياها انه كان ينقل يصدق وامانة نقلا حرفيا كل الكتابات والشواهد والمنظومات والايات والتواريخ التي تطالعه على ابوابها ولما ول الى تكية السيد سلطان علي داعبه شيخها العلامة الامام ابراهيم الراوي الرفاعي قائلا: هذا جهد ضائع يا شيخ! فضحك الالوسي وقال: ولكنه خير من ضرب الدفوف ووضع الحراب على الرفوف وكان في المجلس الاستاذ عبد اللطيف ثنيان صاحب (الرقيب) والمعروف بمجابهاته بطرق المتصوفة فضحك وقال: هل قلت يا شيخ انه خير من ضرب الدفوف وهو القحوف وليس الصوف والتغني على الشارب المحفوف!؟.. وكان الشيخ ابراهيم اسرع المجلس الى الضحك لانه عرف بصفاء القلب واليسر والاسماح في الفكر والمعتقد.
ان ما فعلته مجلة (التراث الشعبي) هو جهد كريم مشكور ولكنا لا نجد حصة لبغداد وتاريخها الا في مقالات وابحاث معدودة وياليتها لو خصصت اعدادا من دورياتها ينفرد واحد منها في معالجة خطط بغداد على ضوء ما استجد عليها من تحوير وعمران، واخر يختص في معالجة المثل البغدادي وفلسفته وثالث يجتني الحكايات البغدادية واخر يضم ترجم اغلام البغداديين الى غير ذلك مما هو في طريقه الى الضياع.
اثناء عكوفي على جمع مراسلات البغداديين من ادباء وشعراء وعلماء وقعت على الكثير من اسماء الشخصيات والاماكن والحوادث كل ذلك مازال في النسيان فان المكتبات العائلية تضم اشتاتا من اخبار الجيلين الماضيين والوانا حلوة من ادب الرسائل بذلك النثر المرسل والاسلوب المنمق الرصين اضافته الى معلومات غزيرة لم تتطرق لها كتب الادب والتاريخ، وهو جانب ىخر يضاف الى الضائع من تراث بغداد واثارها الادبية التي لم تدون الى اليوم .. انها دعوة لتقييد ذلك كله فالعتب يقع على الكتاب البغداديين اولا فهم اولى بمدينتهم من (روبرت ادمز)، و(ريتشارد كوك) و(جونز فليكس) وغيرهم ممن جذبتهم اضواء الف ليلة وليلة اليها وسحرتهم اصوات الداعين على المناثر وامسيات رمضان.. الا هل بلغت؟.. اللهم فاشهد.

فؤاد طه محمد
باحث عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.