البعد الرابع لصناعة الحداثة عند الشهيد مطهري

“البعد الرابع لصناعة الحداثة عند الشهيد مطهري”

التراث ثابت من ثوابت “عقل مجتمع” يحتاج الى حركة نخبة ثقافية مؤمنة باعتقاد جديد
” فهم من المقدس”
لتثبيت
“عقل مجتمع متجدد”
خارج
“عقل المجتمع القديم”

ان الحداثة عنوان للحاضر والتراث عنوان للماضي هذا أحد نقاط التعريف للمصطلحين ولكن أيضا هناك من يقول ان الحداثة تحتاج للاستفادة من إيجابيات التراث لصناعة التجديد المطلوب.

التراث والحداثة نقاش قديم متكرر ومتطور وكذلك مستمر بالواقع العربي وممتد الى الواقع الإسلامي بظل سؤال قديم متجدد كذلك المنطلق من صرخة السؤال لماذا تخلف المسلمون ولماذا تقدم غيرهم(1) للأمير شكيب أرسلان وهذه الصرخة الممتدة منذ أكثر من قرن الى هذا اليوم تمثل الشاغل الأكبر للمتحركين في خط صناعة النهضة للأمة ولمن يريد صناعة عودة الى خط صناعة الحضارة وديمومتها وقيادة العالم.

هذا المشروع المفقود و الغائب و الذي استجوب صرخة الأمير المسلم الدرزي الارسلاني و الذي يمثل سؤال تحرك به بحركة الواقع السيد جمال الدين الأفغاني و تلاميذه المنتشرين على بقعة العالم الإسلامي و انطلقت معه حركات التغيير و النهضة بالواقع العربي و الإسلامي من ثورة المستبدة و المشروطة بأرض ايران و ثورة العشرين بالعراق ومحاولات الاحياء القومية الموجهة استخباراتيا بمواقع جغرافية عربية او المنطلقة كردة فعل على فشل و سقوط المشروع الامبراطوري العثماني او مع بروز النزعة القومية التركية او ما يتم التعارف عليه بالنزهة الطورانية.
هناك ابعاد ثلاثة معروفة ومتداولة لأشكالية التراث والحضارة بواقعنا العربي والإسلامي:

البعد الأول هو “بعد الماضي”:
هناك من ينظر للحداثة ومحاولات العودة الي موقع صناعة الحالة الحضارية من خلال أحياء الماضي!؟

البعد الثاني هو “بعد الالتحاق”:
هناك من يتحرك بالخط المعاكس بالاغتراب عن هذا الماضي وعزله والالتحاق بمشاريع النهضة الأوروبية كمثال ونموذج.

البعد الثالث هو “بعد التوافق”:
هناك من يحاول التوافق بين المشروعين؟

هذه هي الابعاد الثلاثة الموجودة بواقعنا العربي.

نحن هنا نريد الحديث عن البعد الرابع الذي قدمه استاذتا الشهيد مرتضى مطهري ضمن حركته الثقافية بالواقع الإسلامي الموجود على ارض إيران.

اين هذا البعد الرابع؟ واين مجال الحركة الذي ينطلق منه هذا البعد بموضوع التراث والحداثة؟

قبل كل هذا فلننطلق من باب التعريف للتراث؟ نستطيع القول انه الماضي المستمر بالحاضر!؟ ويتحرك هذا الماضي بالتأثير على الواقع والتراث أيضا هو تراكمات مراحل الزمن بواقعنا العربي والاسلامي فهو تراكم متكتل عبر الزمن ومتداخل بين الحالة البشرية ضمن واقع التجربة والتأثير الإلهي المتمثل بالدين(2).

من كل هذا التعريف الذي نطرحه ونقوله فليلاحظ القارئ ان المشترك والرابط بين مجمل تعريف التراث هي “الاستمرارية” أي وجود وتواجد التراث بالواقع الفردي والمجتمعي وقد يمتد ذلك الى مجمل او جزء من النظام السياسي.

وبهذا التعريف سنشرح ما نطلق عليه البعد الرابع لأعادة صناعة الحالة الحضارية بالواقع العربي والإسلامي وهو ما نفهمه من أستاذنا الشهيد مرتضى مطهري.

وهو “بعد الثابت والمتغير” الذي يقدمه استاذنا الشهيد مرتضى مطهري.

البعد الرابع الذي يقدمه بفهم الحداثة بالتجديد في “الفهم” للنص المقدس الثابت وهو القران الكريم وخلق فهم “متغير” وهو نص “غير مقدس” وأيضا بهذه المسالة وجب علينا ان نضيف رؤيتنا الخاصة التي ذكرناها بكتابي “الدين ضد الدين”(3) ” العودة الى قاعدة فهم والية استخراج سليمة وغير منحرفة سيولد وينتج لنا مفاهيم وفهم متعدد للدين وذلك عن طريق تنوع المدارك والقدرات العقلية للاستخراج”.

ان التجديد في الفهم هي العقلية الثابتة عند استاذنا الشهيد مرتضى مطهري حيث ” الزمان في تطور وان لكل مرحلة من مراحله متطلباتها الخاصة بها(4)”.
“نظرا لمتطلبات العصر او طلباته نفس بروز ظواهر جديدة في هذا العصر تتمخض عنه طلبات جديدة فيه لذلك ينبغي تكييف أنفسنا مع تلك الطلبات او الظاهر الجديدة والقبول بها(5)”

“من خصائص الدين الإسلامي انه ركز على الحاجات الأساسية والثابتة وضاعف من صفة ثباتها وجعل الحاجات المتغيرة تابعة لها(6)”
حيث “الثابت هو في الأصول والمبادئ والمتغير هو كيفية تنفيذ تلك الأصول والمبادئ وهذا ما يخضع لتطورات العصر(7)” وبأن من مميزات الإسلام أنه جعل من المتغيرات التي تتبدل في كل عصر متصلة بالثوابت التي لا يطرأ عليها أي تغيير(8)”
و”الإسلام فيه من ثوابت لا ينال منها مهما طال تطور الزمن شيئا، ومتغيرات تستجوب ظروف التطور رغم انه بعض التغييرات تابعة لا ثوابت فأن زمام الأمور يظل بيده” وهنا يقصد ان القيادة للمتغير الدنيوي بيد المقدس الإلهي(9)”.

وينطلق استاذنا الشهيد مرتضى مطهري ليقول عن القران الكريم الثابت المقدس” من مميزات هذا الكتاب العزيز أنه يفسر الـتأريخ على ضوء المنطق العقلي(10)”

هنا ينطلق استاذنا الشهيد مرتضى مطهري بتحريك عقلية النقد في التراث من خلال معرفة التاريخ و من ثم الغاء التفسيرات الغير منطقية و المتناقضة مع المنطق العقلي و منهاج الحكمة القرأنية ومن خلال معرفة أساس وجود و أسس استخراج المعرفة من خلال الاصالة الإسلامية المتمثلة بالثابت المقدس القران الكريم و أيضا ينطلق الشهيد مطهري لمعرفة أسس استخراج المعرفة من خلال العلاقة مع الاخر و نقصد بالأخر هنا هو الغرب و معرفته و هنا ينطلق أهمية دور مطهري و حركيته الثقافية على الساحة حيث انطلق من خلال فهم ذلك الاخر الغربي و من ثم فهم الذات الإسلامية بمواضيع مختلفة ناقشها الشهيد و منها التراث والحداثة ضمن سلسلة كثيرة من المؤلفات و المحاضرات وكل هذا ساعيا وهادفا لتأسيس اعتقاد إسلامي اصيل ينطلق منه الفرد لصناعة مجتمع اعتقادي أسلامي اصيل مبني على الحالة القرأنية بعيدا عن انحرافات الاخر الغربية البعيدة عن المقدس القرأني.

أذن عند استاذنا الشهيد مرتضى مطهري تتحرك الحداثة بالتجديد بالفهم للنص المقدس القرأني وهو “الثابت”
لصناعة
“فهم متغير” وهو الغير مقدس.

هذا هو البعد الرابع الثابت لدي مطهري.

بالأبعاد الثلاثة الأخرى (بعد الماضي، بعد الالتحاق، بعد التوافق)
هذه الابعاد الثلاثة التي ذكرناها بالأعلى استغرق الباحثين العرب ومن يتم وصفهم بالمثقفين او التنويريين او الحداثيين عشرات السنوات بالنقاش وحيث تحركوا بالأبعاد الثلاثة السابقة التي ذكرناها ببداية هذا البحث وهذه الأبعاد كذلك ابتعدت عن حالة الثبات والتثبيت لدي هؤلاء المثقفين التنويريين الحداثيين!؟ ودخلت بأحسن احوالها بموقع الجدل الغير ذي معنى والغير هادف الممتد لدى هؤلاء منذ انطلاق الكلام عن التراث والحداثة بعد الهزيمة العسكرية لمشروع النهضة العربية القومي الذي قاده جمال عبد الناصر بالعام 1967.

غرق هؤلاء المثقفين التنويريين الحداثيين !؟بجدليات كلامية غير مفيدة وبدون تأسيس شيء مفيد مجدي للواقع العربي وبدون أي تبني او التزام من أي نظام رسمي عربي لما قاله ويقوله هؤلاء، ناهيك عن غربة واغتراب هؤلاء المثقفين التنويريين الحداثيين!؟ عن واقع شعوبهم ونقاشاتهم المكتوبة بلغة طلاسمية غير مفهومة لا تؤدي الى نتيجة وبدون أي هدف وأصبح تعبئة وحشو الصفحات بالكلام الغير مفهوم لصناعة كتب ومشاريع قراءة تراث للبيع التجاري هي الفائدة الوحيدة.

هؤلاء المثقفين الحداثيين التنويريين يطالبون “الناس” بالقراءة وهم يقدمون لهم “جدل” بلا “هدف” وبلغة طلاسمية صعبة على التفسير والفهم، لذلك هذه الابعاد الثلاثة بالمجمل لم تصنع تغيير انقلاب لمفاهيم مجتمع الذي هو أساسا اغترب وابتعد عن واقع المثقف العربي الذي طرح سؤال التراث والحداثة.

ما قاله مرتضى مطهري وما ناقشه وما ثبته بواقع الفرد والمجتمع ونظام السياسي يتحرك بالواقع العملي التطبيقي، حيث نجح بنقل هذا “البعد الرابع” الى أماكن ومواقع فشل بالمقابل المثقفين التنويريين الحداثيين العرب بصناعتها بفردهم العربي ومجتمعهم وبالنظام الرسمي العربي.

مرتضي مطهري الخارج من واقع كلاسيكي لينتقد الاخر الغربي بالتفصيل العميق ويقارنه بالأصالة الإسلامية التي تتحرك مع قراءة النص القرأني فلسفيا ومنطقيا وبتوافق مع اساسيات النحو واللغة العربية لجمهور غير متكلم باللغة العربية.

هذا هو البعد الرابع لصناعة الحداثة عند الشهيد مطهري.

د.عادل رضا

“طبيب وكاتب بالشئون العربية والإسلامية”

الهوامش والمصادر:
1) لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم، دار مكتبة الحياة.
2) راجع كتاب الدين ضد الدين، عادل رضا , 2000 دولة الكويت.
3) مصدر سابق، صفحة 65.
4) الإسلام ومتطلبات العصر، مرتضى مطهري، مجمع البحوث الإسلامية 1413 – 1992، صفحة 146.
5) مصدر سابق، صفحة 172.
6) نفس المصدر، صفحة 172.
7) نفس المصدر، صفحة 176.
8) نفس المصدر، صفحة 189.
9) نفس المصدر، صفحة 192.
10) نفس المصدر صفحة 194.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.