الانشقاقات في الاحزاب العراقية أسبابها.. نتائجها.. مصيرها

الانشقاقات في الاحزاب العراقية
أسبابها.. نتائجها.. مصيرها

عبدالغني علي يحيى
كان عقد الستينات من القرن الماضي سيما في أواسطها زاخراً بالانسقاقات ليس في الاحزاب العراقية فقط بل في معظم أحزاب العالم وبالاخص ما أصطلح على تسميته بالعالم الثالث أو البلدان النامية. وكانت الانشقاقات عقد ذاك بحق ظاهرة استحقت وما تزال، الوقوف عندها وتقييمها، واستخلاص الدروس والعبر منها، غير أنها مع ذلك لم تستحق الاهتمام الكافي والمرجو بها. علماً أن الانشقاقات كانت حصراً الى حد كبير في بلدان العالم الثالث كما اسلفت وحصراً أيضاً في الاحزاب اليسارية الماركسية أو الثورية القائدة للحركات القومية التحررية. وفي العراق الذي كان بلداً نامياً انذاك وما يزال كانت هنالك 3 أحزاب كبيرة ذات قاعدة جماهيرية عريضة مهيمنة على الساحة السياسية وهي:
1- الحزب الشيوعي العراقي
2- حزب البعث العربي الاشتراكي
3- الحزب الديمقراطي الكردستاني
وهذه الاحزاب كانت تمارس نشاطاتها مرة بشكل سري واخرى بشكل علني أو شبه علني.
عدا الاحزاب الثلاثة هذه كانت هنالك أحزاب اخرى بين كبيرة ومتوسطة وصغيرة مثل: الاخوان المسلمين وحزب الدعوة الاسلامية والناصريين، غير أنه لم يكن لها من دور وثقل ملموسين في الحياة السياسية العراقية مقارنة بالاحزاب الرئيسية الثلاثة التي أتيت على ذكرها، رغم عدم مفارقتها للساحة السياسية، وبقي الدور الرئيسي للاحزاب الثلاثة المذكورة والتي جمعها قاسم مشترك اعظم منها أنها انشقت على نفسها تباعاً وتحديداً بين عامي 1964 و 1967 فبين العامين انشقت الاحزاب الثلاثة تلك على نفسها، اذ الى جانب حزب البعث الذي كان قد أزيح من الحكم في يوم: 18-11-1963 على يد انقلاب عبدالسلام محمد عارف عليه بشهور من وقوع انشقاق فيه، ولما كان الحزب مطارداً في العراق، فأن المنشقين اتخذوا من دمشق وبيروت منطلقاً لنشاطاتهم واطلقوا على حزبهم المنشق حزب البعث العربي الاشتراكي اليساري ومنذ تأٍيسه راح يكافح على جبهتين: ضد حكومة عبدالسلام عارف من جهة وضد الحزب الام ايضاً اي حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة احمد حسن البكر و صدام حسين من جهة اخرة ولقد واجه المنشقون في البداية هجوماً عنيفاً من قبل سلطات عارف التي زجت بالكثير منهم في السجون والمعتقلات، بالرغم من ان حكومة عبدالسلام عارف كانت تلاحق الحزب الام أو الحزب المنشق عنه ولكن بدرجة اقل واذكر انها اعتقلت صدام حسين مرتين.
بعد سنوات قليلة وفي العقد نفسه وبين العامين نفسه أيضاً، انشق الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1966 على نفسه رسمياً وقاد الانشقاق كل من أبراهيم احمد وجلال طالباني ومعهما قياديون أخرون في الحزب مثل: عمر مصطفى وحلمي علي شريف وملا عبدالله وعلى العسكري.. الخ أي معظم الناطقين باللهجة الكرمانجية الجنوبية من قيادي الحزب، مع بقاء القياديين الناطقين باللهجة الكرمانجية الشمالية مع الراحل مصطفى البارزاني وتوج الانشقاق فيما بعد بمصادمات دموية بين الجانبين واستمر الخلاف والانشقاق نحو 4 سنوات الى أن تم توحيد الحزبين عام 1970 أثر مبادرة قام بها البارزاني مصطفى عندما بعث نجله ادريس للتفاوض مع ابراهيم احمد وجلال طالباني وكانا مقيمين في العاصمة البريطانية لندن ومن اضرار ذلك الانشقاق غرسه للخلاف بين ابناء الشعب الواحد الناطقين باللهجتين البهدينانية والسورانية او وضعه للبنات الاولى لخلاف لهجوي، ولقد نجح البارزاني في مسعاه واعاد الوحدة والتضامن الى صفوف حزبه في حين بقي الانشقاق يتواصل في الحزبين: البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي العراقي وكان الانشقاق في حزب البعث بقيادة علي صالح السعدي، وكان القاسم المشترك بين المنشقين في الاحزاب الثلاثة، التوجه الى اليسار وعلى وجه الخصوص اليسار الماركسي، فالمنشقون في حزب البعث سموا حزبهم حزب البعث العربي الاشتراكي اليساري، ثم اختارو اسماً اخر اكثر يسارية ان جاز القول اي: حزب العمال الثوري ناهيكم عن تبنيهم للنظرية الماركسية. وحذا جناح ابراهيم احمد وجلال طالباني حذو البعث في التوجه الى اليسار وانتهاج الماركسية بل ان الطالباني اعتنق الفكر اليساري الاكثر تطرفاً في ذلك العصر أي الماوية. ( نسبة الى ماوتسي تونك) الطريف انه لم يسجل على الشيوعيين المنشقين بقيادة عزيز الحاج تبني ما يشبه اقصى اليسار والافكار اليسارية المتطرقة كالتروتسكية والماوية مثلاً بل أنهم لم يلتفتوا حتى الى الجيفارية، رغم تزامن انشقاقهم مع مقتل جيفارا عام 1967 لكنهم كانوا يتهمون باستمرار الحزب الشيوعي العراقي الذي انشقوا عنه باليمينية والذي قوى وسهل من انشقاقهم والتفاف قطاعات واسعة حوله من داخل الحزب الشيوعي العراقي للتعاطف معهم والانضمام اليهم، تأييد الحزب لاجراءات عبدالسلام عارف بخصوص التأميم وتأميم البنوك ولقد تطرف الحزب الشيوعي في تأييده لحكومة عراف ونتيجة لذلك راح ينكمش على نفسه وخسر العديد من اعضائه في قواعد الحزب. الذين توجه صوب المنشقين
الى جانب القواسم المشتركة بين المنشقين عن الاحزاب: الشيوعي، البعث، الديمقراطي الكردستاني، كان هناك اختلاف في المواقف بينهم فالمنشقون من حزبي: الشيوعي والبعث تشددوا في موافقهم ضد حكومة الاخوين عارف فضلاً عن بقائهم على الموقف المتشدد من حزبهم الذي الشقوا منه وخرجوا عليه، الا ان الامر كان مختلفاً في حزب ابراهيم احمد- جلال الطالباني اذ تعاونوا مع حكومة الاخوين عارف وفيما بعد مع حكومة البعث وتمادوا في تعاونهم مع الاثنين، واحتكموا الى السلاح الى جانب الحكومتين ضد الثورة الكردية.
لقد كانت نقاط الالتفاء بين المنشقين عن الاحزاب العراقية الثلاثة كثيرة مثل توجههم الى اقصى اليسار والى الفكر الماركسي ومناهضتهم لليمين.. الخ ولكن مع ذلك يدخلوا في جبهة أو تقارب وتفاهم مضاه للجبهة. ومن القواسم بين تلك الانشقاقات وقادتها. أن قادة الانشاقات كانوا من القوميات غير العربية، فعلى سبيل المثال كان من ابرز قادة الانشقاق عن الحزب الشيوعي ( راية الشغلية) في مطلع الخمسينات هو عزيز محمد الذي صار فيما بعد وبعد اعدام سلام عادل عام 1963 سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعي العراقي. فيما قاد الكردي الفيلي عزيز الحاج انشقاق عام 1967 عن الحزب المذكور، حتى قائد الانشقاق عن البعث عام 1964 أي علي صالح السعدي وعلى قدر علمي أنه كان كردياً ينحدر من احدى قرى اربيل الى الجنوب منها. ويفهم من ما مر ان ظاهرة قيادة العناصر من القوميات غير العربية للانشقاقات، تعود الى حجم هائل للكرد في المجتمع العراقي فرغبتهم في الحرية والديمقراطية اكثر من رغبة ابناء القومية السائدة بحيث نجد لهم حضوراً بيناً في الاحزاب غير الكردية ومختلف المؤسسات الحكومية، اذ نجد ان الاكثرية من مؤسسي الجيش العراقي هم من الضباط الكرد، ولاننسى أنه في الوقت الذي لعب فيه الكرد دوراً في الانشقاقات داخل. أحزاب غير الكردية: الشيوعي والبعث مثلا. فانه كان للافراد من القوميات غير العربية والاديان غير المسلمة الدور الرئيس في تأسيس الاحزاب في البلدان ذات القوميات والاديان والطوائف المتعددة مثل: العراق وسوريا، فمؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي ميشيل عفلق كان مسيحياً وكان مؤسس الحزب الشيوعي العراقي مسيحياً بدوره الا وهو يوسف سلمان فهد ومنذ تأسيس هذا الحزب في عام 1934 فان الكرد واليهود والمسيحيين والطائفة الشيعية المضطهدة أدوا دوراً رئيساً فيه. وفي سوريا كان مؤسس الحزب الشيوعي السوري كردياً وهو خالد بكداش: نعم لعب الكرد والافراد من الديانات غير المسلمة دوراً كبيرا في تأسيس الاحزاب العراقية ودوراً ايضاً في قيادة الانشقاقات فيها.
جنباً الى جنب الاحزاب العراقية الرئيسية: الشيوعي، البعث، الديمقراطي الكردستاني، فان حزب الدعوة الاسلامية الذي تأسس عام 1959 وتحول فيما بعد الى حزب رئيسي كبير ومتسلماً للسلطة في العراق بعد عام 2003، لا يغيب عن البال انه تعرض كما الاحزاب الثلاثة المذكورة الى انشقاقات كثيرة، واشتهر بالانشقاقات مثل: الانشقاق بين اصحاب العمائم والافندية وبين ولي الحزب والحزب وجماعة الكوادر والاصلاح وحزب الدعوة الاسلامية وحركة الدعوة الاسلامية واخيراً جناحا نوري المالكي وحيدر العبادي داخل حزب الدعوة. وعلى امتداد تاريخ حزب الدعوة الاسلامية، فأنه لم يحتك بالاحزاب الثلاثة كان يدخل في جبهة معها وواصل نشاطه بمعزل عن التعاون مع اي من الاحزاب الثلاثة وعندي ان حزب الدعوة الاسلامية من اكثر الاحزاب الاسلامية تمسكاً وتأثراً وارتباطاً بالايديولوجيا، وهذه الميزة جعلته الاشد عرضه للانشقاقات كما سنرى ومن اسباب هيمنة الايدولوجيا عليه بقوة ان مؤسسيه كانوا من رجال الدين الشيعة البارزين مثل: محمد باقر الصدر ومحمد مهدي الحكيم ومرتضى العسكري ومحمد باقر الحكيم، كما انه اي الحزب نشأوظهر في بينة دينية ان جاز القول، ظهر في مدينة النجف الاشرف المدينة المقدسة لدى الشيعة . لقد غرست البيئة التي ولد فيها حزب الدعوة الاسلامية الايديولوجيا بقوة في هذا الحزب اضافة الى هيمنة رجال الدين عليه وتأسيسهم لذا صار حزبا طائفيا شيعيا بامتياز مثلما ان الاخوان المسلمون طائفيون بدوره اذ ان اعضاء جميعا هم من السنة.
كاتب هذا المقال في تناوله لظاهرة الانشقاقات في الاحزاب العراقية وبين حين واخر، كان قد توصل الى حصول الانشاقات في الاحزاب العقائدية من شيوعية واسلامية اكثر من غيرها من الاحزاب غير العقائدية التقليدية وذكر بان الانشقاقات كانت على اشدها في الدول الشيوعية : السوفيتية والصينية واليوغسلافية والالبانية.. الخ ضد بعضها بعضاً ويتفق في الرأي معي الدكتور علي المؤمن الذي قال في معرض تناوله للانشقاقات في حزب الدعوة الاسلامية قائلاً:
( ان الانشقاقات تكثر في الجماعات الايديولوجية: اسلامية.. عنصرية.. ماركسية وتزداد كلما ارتفع منسوب الايديولوجيا، لأن الايديولوجيا تنطلق من مفهوم احتكار الحق والحقيقة ( دوغماتيزم) بينما تقل الانشقاقات في الجماعات اللبرالية والمصلحية لأنها تتعامل مع مفهوم الحق بوصفه نسبياً ومتعدداً ( بلوراليزم) وعند الدكتور علي المؤمن : ( ان الاسلام هو اكثر العقائد حزماً في الجانب الايديولجي) مضيفاً: ان الانشقاقات الهائلة بعد وفاة الرسول والتي تفوق كل الاديان والعقائد الاخرى) أي ان الانشقاقات في الاسلام فاقت الانشقاقات في كل الاديان والعقائد الاخرى. وهو الصحيح، ففي الاسلام منسوب ايديولوجي مرتفع جداً، ما جعل من التناحر مستمراً و قائماً في كل العصور. ويؤكد على هذه الحقيقة الامام اية الله الخميني في قوله: ان العرب والفرس قبل دخولهما الاسلام خاضا معركتين ضد بعضهما بعضاً وبعد دخولهما في الاسلام خاضا (25) معركة خلال 400 سنية. وهكذا نجد كيف ان الايديولوجيا لاتفرق بين الشعوب فحسب بل داخل الشعب الواحد واحزابه الايديولوجية ولم تنفع معه الاقوال: ( إنما المؤمنون اخوة اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسدي بالسهر والحمى) او ان الاسلام الف بين القلود ولم يفلح الاسلام في توحيد المسلمين والتعامل معهم ( كأسنان المشط).
دعوني اختلف مع الدكتور علي المؤمن، فالايديولوجيا ليس السبب الوحيد في التناحر والانشقاقات، بل ان هنالك اسباب اخى تقف وراء الانشقاقات في الاحزاب، منها ان الجهل والتخلف والفقر من أسباب الانشقاقات التي وقعت في احزاب البلدان النامية، وذلك على الضد من الاحزاب العريقة في العالم الصناعي الحضاري المتقدم الذي بفضل ثقافيته وتطوره وتراجع الفقر فيه، فان احزابه وفي العالم الرأسمالي والشيوعي لم تشهد الانشقاقات انظر الى الاحزاب العريقة في العالم الرأسمالي: الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة والمحافظين والعمال في بريطانيا والمسيحي الديمقراطي والاشتراكي في المانيا والمؤتمر وجاناتا في الهند.. الخ رغم مرور بلدانها بين حين وحين بازمات اقتصادية وماشابه وفي العالم الشيوعي المتقدم الصين والاتحاد السوفيتي السابق شهدنا تماسكاً في الحزب الشيوعي الصيني والسوفيتي وفيما بعد ( الاتحاد الروسي) و كذلك الاحزاب الشيوعية في اوروبا الشرقية والاحزاب الشيوعية العريقة في ايطاليا وفرنسا مثلاً، نعم الى جانب ما ذكرت فان الجهل والتخلف والفقر من اسباب الانشقاقات في احزاب البلدان الفقيرة النامية ومنها ايضا .الدكتاتورية التي تمارسها قيادات الاحزاب ضد قواعدها خصوصاً في ايام النضال أو العمل السري. وغالباً ما تأتي الانشقاقات لمناهضة دكتاتورية الحزب. وهنا ايضاً فان الانشقاق يعني معالجة خطأ بخطأ، فكما ان الانقلابات العسكرية كانت خاطئة لانها عالجت الخطأ بالخطأ وانتزعت السلطة من وراء ظهر الشعب فكذلك الانشقاقات في الاحزاب خاطئة كونها تعالج خطً بخطأ وقد تكون الانشقاقات بدوافع قومية او دينية كأن تتشكى القومية الصغيرة من القومية الكبيرة فتنقلب عليها وتؤسس. حزبها الخاص بها، وهذا ما رأيناه في العراق، كيف ان احزاباً كردية ومسيحية شيوعية انبثقت عن الحزب الشيوعي العراقي واسست احزابها الشيوعية القومية والوطنية الحزب الشيوعي الكردستاني، ومنظمة الكلدو اشور الشيوعية.. الخ عليه فان الانشقاق في هكذا حالة صحيح بان يكون لكل الشعب حزبه الطبقي والقومي الخاص به ثم ان ارتفاع منسوب الايديولوجيا لا يشكل السبب الوحيد في الانشقاقات كما اعتقد الدكتور علي المؤمن فالمنسوب هذا انخفض في الاعوام الاخيرة في الحزب الشيوعي العراقي ومع ذلك ظهرت شيوعيات منشقة كحزب اليسار الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي العمالي العراقي مثلاً. اضافة الى انشقاقات وقعت في الاتحاد الوطني الكردستاني في السنوات الاخيرة وظهور انشقاقات مثل: حركة التغيير والتحالف من اجل الديمقراطية والعدالة.. الخ وثمة حالات لا هذا ولا هذه لما يشبه الانشقاقات، فبعد عام و نتيجة لانهيار الثورة الكردية في عام 1975 والضعف الذي اصاب الحزب الديمقراطي الكردستاني فان عدداً من الاحزاب ظهرت من رحم ضعف الحزب وانهيار الثورة مثل: الاتحاد الوطني الكردستاني، حزب الشعب، الحزب الاشتراكي، باسوك.. الخ لذا فان اعتبار الايديولوجيا سبباً في الانشقاقات قول ناقص، والملاحظ ان الاحزاب الاقل انعقاداً للمؤتمرات، والمؤتمرات من الديمقراطية كما نعلم، الاكثر عرضة للانشقاقات كالحزب الشيوعي العراقي والاتحاد الوطني الكردستاني والى حد ما حزب البعث ايضاً التي لم تعقد سوى مؤتمرات قليلة، في حين نجد ان الحزب الديمقراطي الكردستاني تعرض مرة واحدة للانشقاقات، انشقاق ابراهيم احمد وجلال الطالباني في منتصف الستينات، لأنه- اي الحزب – كان وما يزال من اكثر الاحزاب العراقية والكردستانية انعقاداً للمؤتمرات و لايقبل قائد في الحزب من خارجه وبين مؤتمرين، الا بعد تزكيته من قبل المؤتمر، وبفضل الديمقراطية الواسعة والمتجذرة في هذا الحزب، نجد انه يكاد يكون الحزب الكردستاني والعراقي الوحيد بفضل ديمقراطيته متماسكاً بعيداً عن الانشقاقات في وقت كان يفترض ان يكون من اشد الاحزاب عرضة الى الانشقاقات كونه ينتشر وسط تعددية قومية ودينية و طائفية ولهجوية شديدة، لكنه وبفضل الاسباب التي ذكرناه فان ديمقراطيته جعلت من التنوع الديني والقومي والطائفي واللهجوي يلتف حوله اكثر.
لست في وارد الدفاع عن هذا الحزب، ولكن هذه هي الحقيقة دع جانباً تمسك الحزب الصلب بالمبادي والطموحات القومية الكردية وعلى رأٍسها سعيه لأجل استقلال كردستان.

مما تقدم يتبين ان خير وقاية من الانشقاقات في الاحزاب هو اشاعة الديمقراطية والحرية داخل الحزب وهذا يجر تلقائياً الى تبني المواقف المبدئية الصحيحة والصائبة المعبرة عن طموحات الشعب واراداته.
ان الانشقاقات في الاحزاب غالباً ما تحصل في الاحزاب خارج الحكم أي عندما تكون في مرحلة العمل السري، في حين ان الاحزاب نفسها عندما تكون في الحكم أو مشاركة فبه نجدها بمنأى عن الانشقاقات ولدي الكثير من الامثلة لأثبات هذا الاستنتاج، واليكم مثالاً على ذلك، انشق حزب البعث العربي الاشتراكي على نفسه بعد ازاحته عن السلطة عام 1963 وبعد ازاحته كرة ثانية عن السلطلة في 9-4-22003 فأنه انشق على نفسه من جديد، ولقد كان الانشقاق الاول كما بينا بقيادة علي صالح السعدي في حين كان الانشقاق الثاني له والذي تلى سقوطه في عام 2003 على يد محمد يونس الاحد الذي التحق به نحو 150 قيادياً وعضواً من الحزب والذين طردوا جميعاً فيما بعد من قبل رئيس الحزب عزة الدوري. وعلى النقيض من السعدي الذي لاذ باليسار والماركسية فان محمد يونس الاحمد لم يتوجه الى أي منهما اي لا الى اليسار ولا الى الماركسية، والظاهرة هذه، ظاهرة عدم التوجه الى اليسار نلقاها في الانشقاقات التي حصلت في الاتحاد الوطني الكردستاني فالمنشقون عنه، حركة التغيير والتحالف من اجل الديمقراطية والعدالة لم يرفعوا شعارات يسارية أو ماركسية. ويرد السبب في ذلك الى افول نجم اليسار والماركسية في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ودول حلف وارشو في اوروبا الشرقية فأنهيار الاورو شيوعية في غرب اوروبا والتي كان من ابرز اعضائها الاحزاب الشيوعية في فرنسا وايطاليا واسبانيا، نعم لم يعد لليسار ولا للماركسية بريقمها السابق لكي يتبارى المنشقون عن احزابهم للتوجه اليهما واعتناقهما والاسترشاد بهما. وللحقيقة والتأريخ نقول ان الملايين من المتنورين في العالم ما زالوا يعتقدون ويؤمنون من أن خلاص البشرية في الماركسية لا في البرجوازية وارأسمالية والتيارات الدينية على اختلافها وبالاخص الاسلامية صح ان الاحزاب الشيوعية تراجعت في معظم انحاء العالم ولم يعد لدعواتها ونداءاتها من جاذبية وبريق، ولكن ثمة احداثاً في العالم وبالاخص في الدول الاسكندنافية التي تعتبر شعوبها من اكثر شعوب العالم سعادة وحقوقها مصونة، تثبت صحة تنبؤات ماركس ولكن بالتدريج ان جاز القول أو بشكل بطيء غير ملحوظ، فقبل اسابيع سمعت الى ان النقود في السويد قد تختفى وتتلاشى، وهذا ما تنبأ به ماركس، كما نرى ان الاحزاب والحكومات في تلك الاول ترتخي قبضتها باستمرار لتحل محلها حكم المنظمات ( منظمات المجتمع المدني) وهذا ما لاحظته اثناء اقامتي في فنلندا لما يقارب العام، وهذا ماتنبأبه ماركس ايضاً حين قال بزوال الحكومات الاحزاب في المستقبل، فالحكومات في تلك البلدان وبلدان اخرى على غرارها لاتغري بالوصول اليها انتزاعها انما ينظر الناس اليها ببرود رغم اجراء الانتخابات البرلمانية فيها ووجود احزاب تخوضها، ان كل ما تنبأيه ماركس بتحقيق رويداً رويدا من دون ان تدفع الاحزاب الى ذلك أو الحكومات ان مسار الحياة والتطور والتقدم الصناعي المدهش يعمل بشكل شبه يومي وعفوي الى تحقيق ما تنبأ به ماركس ومن تنبؤاته عظيمة ان الصراع سيكون في المستقبل بين الانسان والطبيعة، وها نحن الان نعيش بدايات هذا الصراع ( الاحتباس الحراري، التصحر، التغييرات المناخية، شحة المياه.. الخ)

اعود الى صلب الموضوع الذي ابتعدت عنه بالرغم من وجود علاقة بين الانشقاقات في الاحزاب وما ذهبت اليه بخصوص طروحات ماركس وعزوف المنشقين في التوجه اليه في هذا الزمان على الضد من منشقي العقود الماضية من القرن الماضي بالاخص واقول، انه في الاعوام الماضية تراجعت ظاهرة الانقلابات العسكرية الا نادراً بعد ان شهد العالم صحوة تخطئتها والتي تمثلت بتهديد المجتمع الدولي الديمقراطي للانقلابيين وارغامهم، بالعودة سريعاً الى الحياة البرلمانية وحرية الاحزاب والصحافة.. الخ من مطالب اخرى مثل الغاء حالة الطواريء والاحكام العرفية ومحاكمها على جناح السرعة. والذي يبعث على السرور والاطمئنان ان ظاهرة الانشقاقات في الاحزاب اخذت بالتراجع ايضاً وبمرور الايام صار الانقلاب والانشقاق شاذاً واستثناءً. ومن الماضي وفي خبر كان. وقلة حدوثهما وليس انعدامها بالمرة، تثبت صحة ما ذهبت اليه. ودلت الوقائع كيف ان الانقلابات العسكرية اضرت بالشعوب وجعلت من اوضاعها تتدهور اكثر وخلص علم السياسة والمجتمع الى تخطئتها وشجبها والقول نفسه يصح سحبه على الانشقاقات الحزبية، ففي الانشقاقات الحزبية العراقية وقفنا على هزيمة وبؤس المنشقين عن الاحزاب الثلاثة: الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الديمقراطي الكردستاني اذ تلاشى المنشقون بسرعة بعد أن وجهوا ضربة موجهة الى احزابهم الوطنية والى الحركات الديمقراطية والتحررية في شعوبهم وبلدانهم.
كما قلت لقد تراجعت الانشقاقات التقليدية من الاحزاب العراقية، الا انها وبسبب من الوضع المضطرب في العراق وتفشي الجهل فيه نتيجة هبوط المستوى التعليمي وانتشار الفساد عادت الانشقاقات متخذة اشكالا عدة منها، الانشقاقات المستمرة في التكتلات النيابية البرلمانية والتي تنشط في الاسابيع التي تسبق الانتخابات التشريعية، وهي في الوقت الذي نجدها قائمة بشكل لافت في الوسط والجنوب من العراق الا انها تكاد تغيب بالمرة في كردستان. غير ان هنالك مع ذلك انشقاق في الاحزاب بين في محافظة السليمانية فقط دون غيرها من المحافظات الكردستانية الاخرى مثل اربيل ودهوك، ولقد كان الانشقاق تحديداً في الاتحاد الوطني الكردستاني الذي انشقت عنه:
1- حركة التغيير
2- التحالف من اجل الديمقراطية والعدالة.
3- انقسام داخل الاتحاد الوطني نجم عنه ظهور مركز القرار بقيادة كوسرت رسول علي وقادة اخرون من الاتحاد وجماعة المكتب السياسي بقيادة السيدة هيرو ابراهيم احمد وهذا الانقسام برأي سيظل قائماً لحين انعقاد المؤتمر الوطني للاتحاد الذي تعقد عليه الامال لازالة الانقسام ذاك بين اعضاء الاتحاد وتجاوزه وفي حال فشل المؤتمر عن ايجاد حل فان الاتحاد لابد وان ينشطر الى حزبين، وقد تظهر فيه تكتلات اخرى. وارى ان الانشقاق في هذا الحزب والذي تكرر صورة من الماضي ما كان يجب ان تحدث وتظهر اذا اخذنا بالحسبان ان مصير المنشقين سيكون الانهيار والتلاشي وسيكون مصير المنشقين السابقين واللاحقين من الاتحاد سيكون كمصير المنشقين عن الاحزاب العراقية الرئيسية الثلاثة التي ذكرتها. وقد لايعود المنشقون الى الحزب ( الام) او الاب اي الاتحاد وانما قد يعودون الى الحزب الجد ( الحزب الديمقراطي الكردستاني)، فالمطعيات تشير الى التحاق عدد من قادة الاتحاد الوطني الكردستاني وكذلك حركة التغيير بين فترة واخرى بالحزب الديمقراطي الكردستاني وليس باي حزب اخر، ولا حاجة بي الى الاشارة الى اولئك القياديين في الاتحاد الوطني الكردستاني ، فهم معروفون وسبق لكاتب هذا المقال وان نصح الاتحاد وحركة التغيير في مقالات له في الماضي بضرورة تجاوز الانشقاق والعودة الى وحدة الصف والتنظيم الحزبي. ان من مصلحة الاحزاب الكردية ان تستفيد من تجارب الماضي وان تنبذ التكتلات والانشقاقات التي تضربها وبالشعب الكردي عموماً، وما قلته بحق الانشقاقات في الاحزاب العراقية يصح سحبه على الانشقاقات في الاتحاد الوطني الكردستاني وعلى المنشقين عنه.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.