الإضلال والهداية في الآيتين 88 سورة النساء 125 سورة الأنعام

الإضلال والهداية في الآيتين 88 سورة النساء 125 سورة الأنعام
علي جابر الفتلاوي
قوله تعالى: ((فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا مَنْ أضلّ الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا)) النساء: 88 .
قوله تعالى: ((فمن يُرد الله أنْ يهديهُ يشرحْ صدرَهُ للإسلام ومن يُردْ أنْ يُضِلّهُ يجعلْ صدرَهُ ضيّقا حَرَجا كأنّما يصّعّدُ في السماء كذلك يجعلُ الله الرّجسَ على الّذينَ لا يؤمنون)) الأنعام: 125 .
الموضوع المشترك بين الآيتين هوالإضلال والهداية. قوله تعالى في سورة النساء: ((أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا)).
وقوله تعالى في سورة الأنعام: ((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقا حرجا كأنّما يصّعّد في السماء)).
الآية 88 من سورة النساء تتكلم عن الّذين اسلموا بألسنتهم، ولكنّهم لم يهاجروا من مكة بل ظلوا هناك وانسجموا مع عقائد المشركين وعواطفهم.. هؤلاء غرقوا في خطاياهم واختاروا طريق الضلال فلا سبيل لهم بعد ذلك للخلاص.(1)
نستفيد من معنى الآية أن الإنسان مسؤول عن فعله لأنه ليس مجبرا عليه، بل هو مختار في فعل الخير، أو فعل الشّر، ووفق هذا المفهوم يحاسب الله الإنسان على فعله لأنه هو من اختاره. هذا المعنى يتكرر في الآية 125 من سورة الأنعام.
جاء في التفسير المفيد: الإرادة الإلهية لا تتم اعتباطا وإنّما تقوم على قاعدة ((إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم)) الرعد: 11. فالرجس والعذاب ينتظر الذين لا يؤمنون، وعدم الإيمان يتمّ نتيجة انسداد منافذ النور، وانسدادها يتمّ بإرادة إلهية تأتي نتيجة انحراف الإنسان نفسه عن الحقيقة.(2)
الرازي له تفسير مختلف للآيتين، فسّر الآية من سورة النساء: ومما يدلّ على أنّ المراد من الآية أنّ الله تعالى أضلّهم عن الدين قوله:((ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا)) فالمعنى أنّه تعالى لمّا أضلّهم عن الإيمان امتنع أن يجد المخلوق سبيلا إلى إدخاله في الإيمان. وفسّر الآية من سورة الأنعام: تمسّك أصحابنا بهذه الآية في بيان أن الضلال والهداية من الله تعالى، وأنّ من أراد الله تعالى منه الإيمان قوّى دواعيه إلى الإيمان، وهذا هو انشراح الصدر للإيمان، ومن أراد الله منه الكفر قوّى صوارفه عن الإيمان، وقوى دواعيه إلى الكفر، وعند الرّازي أنّ الإضلال من الله والإيمان منه تعالى ثابت بالدليل العقلي.(3)
يرى مفسرون آخرون أنّ رؤية الرّازي في تفسير الإضلال والهداية تتعارض مع معيار العدالة الإلهية، حيث ينسب الإضلال والهداية إلى الله تعالى، كذلك العقل يسأل إذا كان الإضلال والهداية من الله تعالى، لماذا إذن يحاسب الله العبد على فعله وهو مجبور على هذا الفعل سواء كان خيرا أو شرّا ؟
الشيخ محمد جواد مغنية يفسّر الآية 125 من سورة الانعام، قائلا: ((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيقا حرجا كأنّما يصّعّد في السماء)) . ينقل مغنية عن الرّازي قوله: ((تمسّك أصحابنا – يريد السّنة الأشاعرة – بهذه الآية في بيان أنّ الضلال والهداية من الله تعالى)). يقول مغنية: أمّا أصحابنا فيقولون: لو كان الضلال والهداية من الله لسقط التكليف، وبطل الحساب والجزاء، لأنه تعالى أعدل من أن يفعل الشيء، ويحاسب غيره عليه، كيف؟ وهو القائل: ((ولا تزر وازرة وزر أخرى)) فاطر: 18، يقول مغنية: الآية التي نحن بصدد تفسيرها لا تدلّ على دعوى الرّازي، لأنّها لم ترد لبيان مصدر الضلالة والهداية، وأنّه من الله أو من غيره، وإنّما وردت لبيان أن الناس فريقان:
الفريق الأول: تتسع صدورهم للحق، ويتفاعلون معه، ويطمئنون إليه، لوعيهم وتجردهم عن الاغراض والأهداف الشخصية، وتحررهم من التقاليد والأهواء وهؤلاء هم المعنيون بقوله تعالى: ((الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب)) الزّمر: 18 . فقوله: هم أولو الألباب يُشعِر بانّ الله هداهم لأنّهم من أولي الألباب، وأنّه تعالى يمد العبد بهدايته لحكمة في ذات العبد نفسه. واستدلّ الشيخ مغنية بآيات أخرى من القرآن لإثبات أن الهداية والضلال من فعل العبد، وليس من الله كما يقول الرّازي، حتى يصح التكليف والحساب للعبد. الفريق الثاني: مِن الناس مَن لا تتسع صدورهم للحق لجهلهم وضيق أفقهم، أو لتناقضه مع منافعهم وأرباحهم، أو عاداتهم وتقاليدهم، وهؤلاء هم المعنيون بقوله تعالى: ((فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله)) الزمر: 22 . واستشهد بآيات أخرى.
قوله تعالى:((كأنّما يصّعّد في السماء كذلك يجعل الله الرّجْس على الذين لا يؤمنون)) يقول مغنية: الرّجْس هنا العذاب، لأنّه جزاء الكافرين، والمعنى أنّ الذين وقعوا في الضيق والحرج من اتباع الحق في الدنيا كذلك يقعون في العذاب في الآخرة الذي هو أشدّ وأعظم عليهم ضيقا وحرجا من اتباع الحق في الدنيا.(4)
يفسّر الطباطبائي الآية من سورة الانعام: أنّ انتساب الشيء إليه تعالى من جهة خلقه أسباب وجوده ومقدماته لا يوجب انتفاء نسبته إلى غيره تعالى وإلّا أوجب ذلك بطلان قانون العلية العام.. من الممكن أن تستند الهداية والضلال إلى غيره تعالى استنادا حقيقا، في حين أنهما يستندان إليه تعالى استنادا حقيقيا من غير تناقض.(5) ولتوضيح معنى الإضلال والهداية أكثر يقول الشيخ محمد جواد مغنية في تفسير الآية 88 من سورة النساء:
ليس المراد بمن أضلّ الله ويضلل الله خلْق الإضلال فيهم.. كلا، وإنما المراد أنّ من حاد عن طريق الحق والهداية بإرادته، وسلك طريق الباطل والضلال باختياره فإنّ الله يعرض عنه، ويدعه وشأنه.. وليس من شك أنّ من أوكله الله إلى نفسه لا يجد سبيلا إلا الضلال، والجور عن القصد، وهذا المعنى ينسجم مع قوله تعالى: ((والله أركسهم بما كسبوا)) أي كل من سلك طرق الحق فإنّ الله يشمله بعنايته ويرعاه بتوفيقه: ((إنّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)) النحل: 128. وهذه العناية من الله بالمتقين تسمى هداية وتوفيقا وولاية ووكالة من الله، وكل من سلك طريق الباطل فإن الله يعرض عنه، ولا يرده إلى الهداية قسرا، ويلجئه إليها إلجاء. هذا الإعراض منه تعالى يسمى إضلالا وخذلانا وإركاسا، فالله تعالى هو الرحيم بعبده لا يتخلى عنه، إلّا إذا كان العبد هو السبب الموجب لتخلي الله عنه لولوجه في العصيان والتمرد.(6)
الزمخشري يفسّر آية 88 النساء وهو يمثل رأي المعتزلة، يقول:
مالكم اختلفتم في شأن قوم نافقوا نفاقا ظاهرا وتفرقتم فيه فرقتين، وما لكم لم تبتّوا القول بكفرهم. ((والله أركسهم)) أي ردّهم في حكم المشركين كما كانوا ((بما كسبوا)) من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين واحتيالهم على رسول الله (ص). أو اركسهم بالكفر بأنْ خذلهم حتى اركسوا فيه، لما علم من مرض قلوبهم ((أتريدون أن تهدوا)) أن تجعلوا من جملة المهتدين ((من أضلّ الله)) من جعله من جملة الضلال وحكم عليه بذلك أو خذله حتى ضلّ. وفسّر الآية 125 من سورة الأنعام: ((فمن يُرِد أن يهديه)) أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلّا بمن له لطف. ((يشرح صدره للإسلام)) يلطف به حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحب الدخول فيه. ((ومن يُرِد أن يضلّه)) أن يخذله ويتركه وشأنه، وهو الذي لا لطف له. ((يجعل صدره ضيّقا حرجا)) يمنعه ألطافه حتى يقسو فلبه، وينبو عن قبول الحق وينسدّ فلا يدخله الإيمان.(7)
موضوع الإضلال والهداية لم نتناوله كموضوع عقائدي عقلي فلسفي، بل تناولنا الموضوع ضمن منهج بعض المفسرين، بعيدا عن المذاهب العقائدية الفلسفية التي تقف من الموضوع في ثلاث اتجاهات، الأشاعرة والمعتزلة والإمامية، وبحثنا الموضوع عند مفسرين ينتمون للاتجاهات الثلاثة.

المصادر
(1): محمد علي التّسخيري، محمد سعيد النعماني، المختصر المفيد، ص92.
(2): المصدر نفسه، ص144 .
(3): الفخر الرّازي، التفسير الكبير، ج10، ص169 ، ج13، ص137 .
(4): محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، م3، ص261- 262 .
(5): محمد حسين الطباطبائي، الميزان، ج7، ص259 .
(6): محمد جواد مغنية، المصدر السابق، م2، ص400 .
(7): جار الله الزّمخشري، الكشّاف، ج2، ص122 و ص394.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.