تجاوز المحتوى

الإسلام دين السماحة..والنبي محمد مبعوث الرحمة والإنسانية / 4

الإسلام دين السماحة..والنبي محمد مبعوث الرحمة والإنسانية / 4
بقلم : عبود مزهر الكرخي

العافون عن الناس
قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : { إذا أوقف العباد نادى مناد : ليقم من أجره على الله وليدخل الجنة ، قيل : من ذا الذي أجره على الله ؟ قال : العافون عن الناس }(1).
والحقيقة ان من اهم مرتكزات الفكر الإسلامي هو العفو عن الناس وقد اوردنا حديث نبي الرحمة محمد(ص) عن (العفو عن من ظلمك) وهذا المرتكز في العفو عن الناس قد جسدها الرسول الأعظم محمد(ص) قولاً وفعلاً وأمر الصحابة والمسلمين عامة بأتباع هذا السبيل والذي هو أحدى الطرق المهمة لنيل الأجر والثواب العظيم من خلال العفو عن الناس والشواهد كثيرة على ذلك. ولكن هناك سؤال مهم وهو : “هل الأخلاق هي الدين؟” هذا سؤال جوهري لا يمكن تجاوزه عند البحث في فلسفة الأخلاق، والجواب باختصار لا، الأخلاق ليست هي الدين، وإنما جاء الدين ليتممها ويصقلها عند اعتناق المرء الإسلام لتكون الأخلاق الكاملة عند العبد المؤمن في ظل تعاليم ديننا الحنيف. والحقيقة هناك الشواهد كثيرة على ما نقول في العفو الذي يمتلكه النبي الأكرم محمد(ص), لنجد أن السيرة النبوية مليئة بالمآثر والعبر والتي تدل على الخلق الكريم للنبي الكريم أحمد وبالذات مع غير المسلمين. ونقول للذين لبسوا الحق بالباطل ومن من يدعون اسلامهم فأننا نحاول أن نزيل الغشاوة عن عيونهم والتي قد غشاها من حاول أن يشوه الحضرة النبوية الشريفة باحاديث وكتابات باطله ما انزل الله بها من سلطان وأن الرسوم والأفلام التي تسيء لنبي الرحمة هي نتيجة لهذه الأحاديث المدسوسة من رواة أحاديث كانوا من عباد الدرهم والدينار ويتناغمون مع الأهواء الأموية والعباسية وكل من ناصب العداء للنبي محمد(ص) وآل بيته الطيبين الطاهرين، والذي بأقلامنا المتواضعة مع كل محبي الحضرة النبوية الشريفة وآل بيته نزيل الحيف الذي لازم هذه الأقلام الحاقدة وأقلام المتشددين وأهل الغلو الذين خالفوا منهج المصطفى في العفو والرحمة والعدل.
وخير مثال ما حصل مع أسرى بدر حيث سن الرسول(ص)منهجاً في تعامله مع أسرى واقعة بدر حيث سبق العالم الذي يدعي التقدم والإنسانية بأكثر من الف واربعمائة واربعين سنة، الذي يرى اتفاقية جنيف فتحاً مبيناً ونصراً للبشرية جمعاء(2). إن هذا المنهج جدير بأن تؤلف فيه الكتب الكبير والبحوث الرصينة.
وقد شهد بحسن تعامل الرسول مع الاسرى ورقي التعامل للمسلمين للأسرى العدو قبل الصديق، ورغم ما يحمله كفار قريش والذين حاربوا الرسول والمسلمين من الكره والعداوة للمسلمين، ولو وجدوا أي فرصة للنيل من النبي محمد(ص) والمسلمين من ذم وثلب لما توقفت السنتهم به وهي السن طليقة وبليغة كما يعرف عنهم، ولكنهم وجدوا من حسنِ المعاملةِ والرِّفْقِ ما أنطقَ ألسنَتَهُم بالشكرِ والحَمْدِ. ولهذا نهى عن تعذيبهم أو التمثيل بل حرم ذلك. وهذا جاء من امر إلهي حيث أمر الله سبحانه وتعالى نبيه بقوله في محكم كتابه {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(3).
ومن الروايات التي تذكر في هذا الأمر أنه “دعاهُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ينزع ثنيتي سُهيل بن عمرو وكان خَطَيباً مسقعاً حتى لا يقومَ مقاماً يُحرِّضُ فيه على الإسلام وأهله كما قام قبل يوم بدر. لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أبى ذلك وبدلاً منه قدَّم الفأل الحسن، وقال لعمر: لا أُمَثِّلُ به فيمثل الله بي وإن كنتُ نبياً، ولعله يقومُ مقاماً لا تكرهه(4). وقد عَتبَ صلى الله عليه وسلم على بعض صحابته وقد أسروا راويةً لقريش فكانوا يضربونهم، فلما انْفَتَلَ من صلاته قال مستنكراً فعلهم: إن صَدقوكُم ضَربتموهم وإن كذبوكم تركتموهم!(5).
واما في ناحية الاسرى وفداؤهم حيث بقى عدد من الاسرى تأخر فديتهم او ليس عندهم فدية. وكان ليس في مصلحة المسلمين سجنهم فسعى الرسول الأعظم(ص)إلى الاستفادة من معارفهم فكلف من يريد منهم أطلاق سراحه تعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، فإذا أتقنوها كان بمثابة ذلك فداء لهم، وكان من بين المتعلمين زيد بن حارثة الأنصاري من أبرز من تعلم منهم(6) وأصبح كاتبَ الوحي، ومِن ثَمَّ أصبح جامع القرآن ومدونه(7).
إن تلك الشمائل النبوية لم تكن بدعاً ولا شيئاً عارضاً فقد كان ديدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخير ممثل لهذا أسرى حنين حين أطلقهم وأطلق السبايا.
والكلام يطول ولكن نحن نحاول الاشارة الى ما هو مهم من سماحة الإسلام وممثلة بالرسول الأعظم والذي سنكمل ذلك في أجزائنا القادمة أن شاء الله إن كان لنا في العمر بقية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر :
1 ـ كنز العمال : 7009. ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٣ – الصفحة ٢٠١٢. الديات لابن أبي عاصم باب عفو المجني عليه ومن له قود، رقم الحديث 186. رواه الطبراني في مكارم الأخلاق وفيه الفضل بن بشار ولا يتابع على ذلك حديثه اهـ. قلت: وروى ابن عساكر من حديث على ينادي مناد يوم القيامة من بطنان العرش ألا فليقم من كان أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا عن أخيه. رواه أحمد والحاكم وصححه وتقدم في آداب الصحبة. الغصن الدانى على مصنفات الالباني ج1. بواسطة ساعد عمر غازي ص 129. منشورات مكتبة غوغل بلي. أخرجه العقيلي في الضعفاء(354). ميزان الحکمه المجلد السادس 2717 ـ فَضيلَةُ العَفوِ ص 79
2 ـ معاهدة جنيف التي تنظم أمور أسرى الحرب أبرمت سنة 1370هـ/ 1949م، وكثير من فصولها واشتراطاتها نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد طبقها في تلك الحادثة. للتفصيل انظر «أحكام أسرى الحرب، دراسة مقارنة بين القانون الوضعي والشريعة الإسلامية».
3 ـ [الأنفال : 67] 4 ـ السيرة النبوية 2: 268، المغازي 1: 52.
5 ـ مأخوذة من مقال بعنوان(الشمائل المحمدية في التعامل مع الأسرى “أسرى بدر نموذجاً” للكاتب إبراهيم بن سعد الحقيل. مجلة البيان. باب دائرة الضو . بتاريخ 16 / 10 / 2016.
6 ـ الطبقات الكبرى 2/20، إمتاع الأسماع 1/119.
7 ـ الطبقات الكبرى 5: 306.

Published inاراء

كن أول من ‫يعلق على المقالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.