الأمام علي(عليه السلام)…وبيعة الغدير / 4

الأمام علي(عليه السلام)…وبيعة الغدير / 4
بقلم : عبود مزهر الكرخي

معنى الوصاية وأنها من خواص الرسالة
والآن لنأتي إلى مفهوم مهم وهو الوصاية ونناقش هذه المسألة المهمة والتي يعتبرها الشيعة وعلماؤها من أصول الدين الخمسة أي الإمامة والتي في مذهب السنة والجماعة ينكرون ذلك ولنناقشها وبتجرد وبتحليل موضوعي ومنطقي وعلمي وعلى ضوء الشواهد والأدلة الموجودة.
ولنأتي إلى حقيقة هذا الأمر ونناقشه بشيء من التفصيل ولنتعرض إلى ما تقوله الكاتبة اللاهوتية أيزابيل بنامين ماما آشوري في مقالها عن تعيين الوصي في الأديان فتقول ” هذه هي امنية جميع الانبياء ان يخلفهم من بعدهم شخص يختاره الرب كما في طلب محمد نبي الاسلام عندما قال لربه : ((اللهم اني أسألك بما سألك أخي موسى فاجعل لي وزيراً من أهلي علياً أخي أشدد به أزري)) وكأن النبي محمد عليه البركات يعلم بأن ما جرى على وصي موسى سوف يجري على وصيّه” وتذكر ان هذا الحديث ذكر في اكثر من 22 مصدر من مصادر الشيعة والسنة”.(1)
والحقيقة وفي هذه النقطة نختلف مع الكاتبة الفاضلة أيزابيل. وأقول أن تعيين الوصي لنبينا الأكرم محمد(ص) كان بأمر رب السماوات العلى وان كان النبي الأعظم محمد(ص) يريد ذلك ويرغب فيه لأنه يتناول جانب عدة وسنحددها كالتالي :
الجانب الأول : آية التبليغ
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}.(2)
وهذه الآية نزلت في التبليغ شيء خاص وليس كل الرسالة وهو أمر آلهي لا يقبل التأويل و التفسير. وها ما ذكره شيخ المفسرين الشيخ الطبري حيث يقول عن هذه الآية ” إن كتمت آية مما أُنزل عليك من ربك لم تبلغ رسالتي. وقول الطبري هذا (ما أُنزل عليك) واضح في تبليغ شيء خاص وليس كل الرسالة”.(3)
وقد وثق الكثير من فقهاء ومفسري أبناء العامة أن هذه الآية نزلت في الأمام علي(ع) يوم الغدير وقد ما ذكره العلاّمة العيني في عمدة القارئ(4) دون أي استنكار أو رد أو تضعيف لحديث أبي سعيد الخدري هذا يوم غدير خم في علي بن أبي طالب (عليه السلام). وما رواه السيوطي(5). وعن ابن مردويه في تفسيره عن ابن مسعود حيث قال(6): كنا نقرأ هذه الآية على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك أن علياً مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) وذكر ذلك أيضاً الشوكاني في تفسيره. حيث ورد استحباب صوم هذا اليوم بسنده عن أبي هريرة قال: من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي(ص) بيد علي بن أبي طالب فقال: ألست ولي المؤمنين؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: من كنت مولاه فعلي مولاه فقال عمر: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم فأنزل الله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.(7)،(8)
وذكر الثعلبي عن البراء بن عازب قال: لما نزلنا مع رسول الله (ص) في حجة الوداع بغدير خم فنادى: إن الصلاة جامعة وكسح رسول الله عليه الصلاة والسلام تحت شجرتين وأخذ بيد علي فقال: …. هذا مولى من أنا مولاه.
فلقيه عمر فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.(9)
وهنا لو نريد أن نتعرف على الآية فهي أمر آلهي يختص بأمير المؤمنين بضرورة تبليغ هذا الأمر للناس وأن لم تبلغ ها الجانب من الرسلة السماوية فأنك لم تبلغ رسالة ربك أي جعل هذا التبليغ في موازاة تبليغ الرسالة كلها وجعلها في كفة متساوية معها ولهذا عندما سئل الأمام الباقر عن تفسير هذه الآية وحسب المرويات حيث ” عن زياد بن المنذر يقول: كنت عند الإمام أبي جعفر محمد بن علي[عليه السلام] وهو يحدّث الناس إذ قام إليه رجل من أهل البصرة يقال له: عثمان الأعشى – كان يروي عن الحسن البصري – فقال له: يا ابن رسول الله جعلني الله فداك ، إن الحسن البصري يخبرنا أنَّ هذه الآية نزلت بسبب رجل ولا يخبرنا من الرجل ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ )؟! .
فقال: لو أراد أن يخبر به لأخبر به، ولكنه يخاف.
إن جبرئيل هبط على النبي (ص) فقال له: إنَّ الله يأمرك أن تدلّ أُمّتك على صلاتهم ، فدلّهم عليها، ثم هبط فقال: إنّ الله يأمرك أن تدلّ أمّتك على زكاتهم فدلّهم عليها، ثم هبط فقال: إن الله يأمرك أن تدل أمتك على صيامهم ، فدلّهم، ثم هبط فقال: إن الله يأمرك أن تدلّ أمتك على حجّهم ففعل، ثم هبط فقال: إنّ الله يأمرك أن تدلّ أمتك على وليّهم على مثل ما دللتهم عليه من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم وحجهم ليلزمهم الحجة في جميع ذلك.
فقال رسول الله: ( يا رب إن قومي قريبوا عهد بالجاهلية ، وفيهم تنافس وفخر، وما منهم رجل إلاّ وقد وتره وليّهم وإني أخاف ).
فأنزل الله تعالى:
( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ).
يريد فما بلغتها تامة ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )، فلمّا ضمن الله بالعصمة وخوفه أخذ بيد علي بن أبي طالب ثمّ قال:
( يا أيها الناس من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه ).
قال زياد: فقال عثمان: ما انصرفت إلى بلدي بشيء أحب إلي من هذا الحديث.(10) وهنا لابد من الإشارة أن هناك سوف يكون انقلاب خطير على ما أمر به الله والرسول في وصاية أمير المؤمنين(ع) وخلافته لرسول الله(ص)وقد حدث هذا فعلاً في يوم الرزية وفي يوم السقيفة وغصب حق الزهراء واسقاط محسنها وكل ذلك كان يعلم الرسول الأعظم محمد(ص) والذي أخبره به الروح الأمين جبرائيل(ع) بوحي من الله سبحانه وتعالى.، ولكن كان الله جل وعلا عاصم رسوله ووصيه من تلك الفتن وليكون لهم المنزلة العالية والذكر العلي عند رب السموات والأرض هو وآل بيته الطيبين الطاهرين.
ومن هنا فأن تبليغ الأمر الآلهي بالوصاية كان امر يختلف عن طلب نبي الله موسى(ع)لوصية يوشع بن نون وكذلك نبي الله عيسى(ع) لوصاية بطرس. فالأمام كانت وصايته مكتوبة في اللوح والقلم منذ خلق الله جل وعلا السماوات والأرض وحديث الكساء يثبت ذلك مضاف إليه حديث نبينا الأكرم والذي يسمى حديث النورانية، ومن هنا جاء حديث النورانية لنبينا الأكرم محمد(ص) حيث يقول عن سلمان” سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله عز وجل قبل أن يخلق الله آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق الله آدم قسم ذلك النور جزئين، فجزء أنا وجزء علي”.(11)
ومن هنا كان أمير المؤمنين هو سيد الوصيين وأمام المتقين ووصاية الأمام علي(ع) جاءت بأمر من السماء ومن الله سبحانه وتعالى والتي جعلته في منزله عالية لا يدانيها أحد من البشر والأوصياء وتأتي مباشرة من بعد الرسول الأعظم محمد(ص).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر :
1 ـ أبحاث لاهوتية ، اسلاميات » حوار بين غدير عفرون ، من مقال للكاتبة أيزابيل بنامين ماما آشوري
2 ـ [المائدة : 67].
3 ـ روى قول الطبري هذا ابن أبي حاتم في تفسيره (4/ 117) عن ابن عباس
4 ـ شرح صحيح البخاري (18 / 206).
5 ـ الدر المنثور (2/298).
6 ـ فتح التقدير(2/60).
7 ـ [ المائدة: 3].
8 ـ الغدير كما روى ذلك الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (8/284).
9 ـ الثعلبي في تفسيره (4 / 92) بسنده.
10 ـ روى الحاكم الحَسْكاني الحنفي باسناده في كتابه :شواهد التنزيل لقواعد التفضيل:1 / 299 – 301
11 ـ في شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي ج 5 – ص 242 ، 247 ، 252 ، 253 ، 255 قال:رواه جماعة من أعلام القوم منهم الحافظ أحمد بن حنبل الشيباني المتوفى سنة 241 في ” فضائل الصحابة ” (ص 205 مخطوط). الحافظ الكنجي الشافعي في (كفاية الطالب ص 260) في حديث طويل عن جابر بن عبد الله. والعديد من المصادر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.