الأثنين. أغسطس 19th, 2019

اقدم مصلحي الساعات في بغداد

أقدم مصلحي الساعات في بغداد

أقدم مصلحي الساعات في بغداد

وانا في طريقي لكتابة هذا التحقيق عن الساعات القديمة واقدم مصلحيها فكرت في ان التقي اولا السيد ناجي جواد الساعاتي الباحث المعروف لتكوين فكرة تاريخية عن اوائل الساعات في العراق ولعل من المفيد هنا ان نذكر انه الف العديد من الكتب من بينها كتاب (قصة الوقت )

 اضافه الى انه كان قد مارس تصليح الساعات في بداية حياته ولفترة طويلة ولعل مايؤكد اعتزازه بهذه المهنة التي توارثها عن والده إهداؤه قبل اكثر من خمسة عشر عاما مجموعة كبيرة من الساعات القديمة بمختلف انواعها يزيد عددها على المائة ساعة الى المتحف البغدادي  كدليل محبة ووفاء الى مدينته بغداد .. وخلال لقائنا به طلبنا منه ان يعطينا فكرة عن اوائل الساعات في العراق فقال : 
– اود ان اشير الى ان اول ساعة اهديت من العراق الى شارلمان ملك الافرنج في زمن الخليفة هارون الرشيد كانت ساعة مائية على شكل اناء فخاري مخروطي الشكل وقد رقمت من الداخل وهي اشبه (بحب الماء) ويقاس الوقت من خلال ارتفاع الماء الى الاعلى وتحتوي على كرة برونزية اشبه بالطوافة فكلما يرتفع الماء تسقط الكرة البرونزية على صينية كبيرة من النحاس فتحدث صوتا عاليا ولذلك سميت بالساعه الدقاقه وقد ذكر الدكتور مصطفى جواد بان ساعه مائية مشابهة لساعة هارون الرشيد قد ثبتت في مدخل المدرسة المستنصرية اما شقيقه الحاج ابراهيم الحاج جواد الساعاتي مواليد 1901 فلقد حدثنا عن بداياته مع هذه المهنة قائلا : 
– ورثت المهنة من والدي منذ طفولتي في سوق الخفافين وكان يسمى سوق الساعجية وكنت اساعد والدي في تصليح تلك الساعات 
 وماذا عن اشهر الساعات في ذلك الوقت ؟
– هناك العديد من انواع الساعات واشهرها ام الطمغة (سركيسوف) قسطنطينية ام الجيب وساعة اخرى تسمى (قبطان) و(لونجين) وامارس مهنتي هذه منذ تسعين عاما وحتى الان وتوجد ايضا ساعات اخرى منها ام الانكر وزينث ويقال ان صناعة الساعات هي اصلا في العراق ثم انتقلت فيما بعد الى اوربا 
* وكم كانت اجور التصليح انذاك ومدى دقته ؟ 
– كانت اجور التصليح ( بيشلغ ) أي درهم ثم صارت الربية فاصبحت اسعار التصليح ربية أي مايعادل 75 فلسا او ربيتين ثم تعلمت تصليح الكراموفون بعد دخول الاسطوانات الى العراق مما جعلني اترك عمل تصليح الساعات وهناك تشابه نسبي في المسننات بين الكراموفون والساعات وكان يتردد علينا الفنان الراحل محمد القبانجي ورشيد القندرجي وحسن خيوكة وغيرهم ولم ترجع ساعة قمنا بتصليحها حتى الان واقصد ان اهم شيء عند الساعاتي هي سمعته ومن الذين كانوا مشهورين في هذا المجال عمي لطيف الساعاتي واخي كاظم جواد الساعاتي رحمهما الله وكان عدد الساعاتية قليلا في بغداد ولعل احسنهم بلا منازع كان الاسطة (حسين بن جعفر) وطبعا كان ذلك ايام العصملي 
* ثم سالنا شيخ المصلحين عن مستوى مهارة ودقة التصليح عند ساعاتية هذه الايام فقال: 
– رغم ان عملنا الان محصور بتصليح الساعات الكبيرة فقط بسبب كبر السن وشحة مواد التصليح قمت بتصليح احدى الساعات التي كانت عبارة عن محبس وكانت مكوناتها صغيرة جدا وانجزتها بالشكل الصحيح اما الساعاتية في الوقت الحاضر فهم اقل مهارة واقل صدقا في القول والعمل ومن الطريف انه كان في السابق ان صاحب الساعة يسال عن اخلاق الساعجي اولا ليطمئن على دقة التصليح وكان سعر الساعة بين ليرتين الى 30 ربية (لام الطمغة) ورغم ان نوعية ساعات اليوم هي اضبط من السابق ولكن دقة الساعة القديمة تثيرني نغماتها لانها تذكرني بايام الشباب ومرة قمت بتصليح ساعة الاذاعة عندما اصابها عطل قبل 40 سنه وتم تصليحها باليوم نفسه واود ان اذكر لك ان اقدم ساعة عندي عمرها يتجاوز الـ (150) سنه وان ساعة القشلة هي اقدم ساعة في بغداد وذلك في زمن مدحت باشا حيث كان الناس يضبطون ساعاتهم عليها او على ساعتي الحضرتين الكاظمية والكيلانية واتذكر مرة انني قمت بتصليح ساعة جدارية تعود الى الملك غازي ورفضت ان اخذ اجرا على عملي 
* ثم انتقلنا بالحديث الى مصلح قديم اخر هو الحاج فاضل جودي مصطفى من مواليد عام 1923 والذي حدثنا هو الاخر قائلا : 
-زاولت مهنة تصليح الساعات منذ عام 1936 وكنت انذاك تلميذا في المرحلة الابتدائية ثم اشتغلت فيما بعد مع شخص يدعى ابو داود وكان هناك شخص اخر يدعى يوسف ابراهيم بان الذي كان مسؤولا عن استيراد  الساعات الى العراق ثم انتقلت الى بيت عبدو واعلى اجر تقاضيته ذلك الوقت كان (400)فلس وكان سعر الزمبلك لايزيد عن عشرة فلوس 
* ومااطرف مامر بك خلال عملك في هذه المهنة ؟ 
-مرة قمت بتصليح ساعة احد الاشخاص وترك عندي كيسا كان يحمله على انه سيعود بعد قليل ليدفع لي الاجرة فاخذ الساعة ولم يعد وعندما تفحصت الكيس وجدته مليئا بالحجارة !! ومرة جلب لي الشاعر المعروف عبد الرحمن البناء ساعته فارتجل بحقي بعض ابيات من الشعر قال فيها :
 ساعات اوقاتي غدت مضبوطة
 في ساعاتي ودقائق الساعات
 حتى الثواني قد علت دقاتها 
بندى جميل فاضل الساعاتي 
ويحق لنا الفخر هنا ان نذكر ان المرحوم عبد الرزاق محسوب الاعظمي كان من المبدعين الاوائل الذين علينا ان نتذكرهم دائما فهو الذي كان وراء صناعة ساعة الامام الاعظم في زمن الملك فيصل الاول في العشرينيات ومن بين من كانوا يترددون علينا ايام زمان من الشخصيات الادبية والسياسية المعروفة الملا عبود الكرخي ومعروف الرصافي والقبانجي .

بغداد/ علي ناصر الكناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.