إعتزال الحائري وصراع المرجعيات

إعتزال الحائري وصراع المرجعيات

علي الكاش
‏” تنتهي الفتنة بالمعارك ويتفاوض المتحاربون وتبدأ عملية السلام بينهما، والخسارة تتحملها أم ‏الشهيد وزوجته‎ ‎‏ الأرمله، واطفاله اليتامى، لعن الله الفتنة ومن أيقظها، والحروب ومن أشعلها”.‏
رسائل المراجع الشيعية تحتاج الى تأني في قرائتها، وتحليل كل عبارة بل كلمة ترد فيها، فالكلمات ‏التي يكتبوها غالبا ما تعبر عن أمر مهم وخطير، مما يحتاج الى التوغل في الدراسة واستنباط ما ‏وراء الكلمات ومعرفة مغزاها، والغرض منها، سبق أن عملنا بهذه الطريقة التحليلية في مباحث ‏ومقالات سابقة تعلقت بعدد من المراجع ومنهم المرجع الشيعي علي السيستاني، ولم أجد من حاول ‏ان يتوغل في دراسة رسالة المرجع كاظم الحائري سوى الأستاذ الفاضل والوزير السابق عامر عبد ‏الجبار، واقول الحقيقة ان الأساتذة الفضلاء يحي الكبيسي وعامر عبد الجبار وأحمد الأبيض ونزار ‏حيدر وأحمد الشريفي، وأياد العنبر وناجح الميزان، وبعض المحللين في خارج العراق مثل أحمد ‏الياسري‎ ‎‏ ورمضان البدران والقليل غيرهم ـ هذا من وجهة نظر شخصية ـ هم من أبرز المحللين ‏السياسيين، ولابد لكل عراقي ان يقرأ ما يكتبوه او يشاهد محاوراتهم في البرامج التلفازية، لكي ‏يعرف حقيقة ما يجري في العراق، ويسبر أغوار ما يجري في الكواليس السياسية، ويفهم حقيقة ‏الشراذم التي تحكم العراق، ودور المرجعيات الدينية والقضاء العراقي في رسم المسار المنحرف ‏لما يسمى بالعملية السياسية. إضف الى مقدمي البرامج الوطنية مثل: البوصلة، بصراحة، بمختلف ‏الآراء، تلك الأيام، ستوديو التاسعة، بوضوح، وملفات ساخنة، وبكل جرأة ومن بغداد. لذا سنحاول ‏أن نتوسع في ما ذكره الأستاذ عامر عبد الجبار من تفاصيل حول رسالة المرجع المعتزل كاظم ‏الحائري الشيرازي.‏
نود أن نبين أنه لم يحدث في تأريخ المرجعيات الشيعية ان يتنازل المرجع عن تكليفه الشرعي مهما ‏بلغ به السن والمرض، والسيستاني شاهد على ذلك، فهو أكبر سنا وأكثر مرضا من الحائري ‏الشيرازي. طالما ان المجتهد على قيد الحياة فلا يجوز ان يتنازل عن تكليفه الشرعي وفقا للفقه ‏الشيعي، يقول محمد جعفر الجزائري” إنّ جواز تقليد المجتهد حال حياته كان قطعيّا لهذا العامي، ‏وبعد موته يشك في ارتفاع هذا الجواز”. (منتهى الدراية8/594). ويقول السيد محمد سعيد الحكيم” ‏المجتهد على تقليده لا على أهليته للتقليد”. (التنقيح4/250). الأدهى منه قول الخميني” إني ‏أتوجه بكلامي هذا إلى علماء الدين، ويجب أن يعلموا بأن اعتزالهم سوف يقود إلى إيجاد هوة بين ‏أبناء الشعب وعلمائهم”. (صحيفة الإمام17/91).‏
ثم لماذا التنازل الحائري الشيرازي للخامنئي وليس لغيره من المراجع؟ وهل يحق للمرجع ان ‏يحول مقليده الى مرجع آخر، أم يترك الأمر لإختيارهم وحسب ما يقرروه هم؟ ربما البعض ممن ‏الشيعة في العالم من مقلدي الحائري يتحفظ على ولاية الفقيه (على الرغم من إعتقاد الحائري بها)! ‏فلا قهر وإجبار في التقليد، الجميع أحرار في إختيار مرجعهم.‏
نوه السيد مقتدى الصدر بأن اعتزال المرجع الحائري الشيرازي لم يكن بمحض إرادته، وما صدر ‏عنه من بيان كان تحت الضغط، بمعنى ضغط من الخامنئي، وما يؤيد ذلك تنازل الحائري ‏الشيرازي عن مرجعيته للخامنئي حصرا. وهذا ما أكده العلامة حسين المؤيد حفظه الله بقوله ” نظام ‏الملالي وعلى رأسه الخامنئي مستفيد من مواقف الحائري الشديدة التأييد له والمتماهية معه، ولا ‏تشكل مرجعية الحائري المحدودة والتي فشلت في التمدد عراقيا فضلا عن غير العراق أي ضرر ‏على خامنئي ونظامه”. وكشف المؤيد ” وقف الحائري ضد مرجعية محمد الصدر، لكن بحذر ‏وتحفظ، ولم يتغير موقفه إلا بعد أن علم بأن محمد الصدر أوصى بالرجوع اليه، إذا غادر الحياة، ‏فتنفس الصعداء، وإنتعش فيه الأمل بوراثة الشارع الشيعي في العراق”.‏

الشيرازي وحشده الشعبي
أخطر ما جاء في رسالة اعتزال المرجع الحائري الشيرازي” أوصي جميع المؤمنين بحشدنا ‏المقدس، ولابد من دعمه وتأييده كقوة مستقلة، غير مدمجة في سائر القوى، ويكون قوة ضاربة ‏وقاهرة للمترصين بأمن البلاد ومصالحها الى جانب باقي القوات المسلحة”. مؤكدا إن مقتدى الصدر ‏فاقد لللإجتهاد وباقي الشرائط المشترطة في القيادة الشرعية. ‏
لكن ما فات المرجع الخائف إفتقاد الحجة الشرعية في لغوه، نسأل: اليس هذا الأمر ينطبق على ‏حشد الحائري المقدس (الحشد الشعبي)، حيث من يقوده فاقد للإجتهاد وباقي الشرائط المشترطة في ‏القيادة الشرعية. اليسوا قادته من أصحاب الشهادات المزورة، الرشاوي، الاختلاس، القتل، ‏الانحلال الخلقي، الفساد بكل أصنافه.‏
لكن بالتأكيد عندما قال (حشدنا) فهو مصيب في رأيه، فالحشد عراقي في رواتبه واسلحته وأعتدته ‏وملابسه ومأكله، لكن ولائه للخامنئي وليس العراق، العراق بالنسبة للحشد مصدر تمويل مالي فقط، ‏وما يؤيد كلام الحائري الشيرازي هي تصريحات قادة الحشد أنفسهم بما فيهم الولائي فالح الفياض، ‏وهو متفرس أكر من الحائري نفسه، وهذا ما يقال عن نوري المالكي وقيس الخزعلي وهادي ‏العامري وابو ولاء الولائي وابو فدك، فما علاقة الحشد بالعراق والتقديس؟ الم يقل العامري انه ‏انفصل عن المجلس الاعلى وتزوج من المالكي (أي زواج مثلي) زواجا كاثوليكيا؟
كما إن قول الحائري الشيرازي ان الحشد قوة مستقلة، يجسد الواقع الفعلي في العراق، فهؤلاء ‏المتفرسين لا يستلموا الأوامر من القائد العام للقوات المسلحة بل من زعمائهم الولائيين، بل إعتبروا ‏القائد العام للقوات المسلحة معز وجمل وداسوا على صوره بالأحذية، وهدروا كرامته وضربوا ‏قصره بالصواريخ واعتدوا على قصر رئيس مجلس النواب الحلبوسي وأطلقوا صواريخهم ‏الايرانية على اقليم كردستان، واليوم يتحدثون بكل وقاحة وقباحة عن هيبة الدولة الخائبة! علما ان ‏المادة 9 ب/ من الدستور العراقي تذكر” يحظر تكوين ميليشيات مسلحة خارج إطار القوات ‏المسلحة، ومن أجل حفظ السلاح بيد القوات المسلحة والأمنية، وتحت القانون، وتعزيز هيبة الدولة ‏وحفظ أمنها، وجعل السلاح بيد الدولة فقط”. بمعنى ان الحائري الشيرازي يحرض على إنتهاك ‏الدستور العراقي. بل من الغرائب ان من شرع هذا القانون هو اليوم ينتهكه، لكن لا عجب في ‏عراق اليوم، عراق اللادولة.‏
إن اعتداء الحشد الشيرازي (المقدس) في التظاهرات السلمية الأخيرة على الصدريين يؤكد انهم لا ‏يلتزموا بأوامر القائد العام للقوات المسلحة الذي أمر جميع القوات المسلحة بعدم إطلاق النار، هل ‏يوجد (حشد مقدس) يطلق النار على متظاهرين سلميين ابرياء، فما بالنا بالحشد الكافر إذن؟
عندما نقول ان الحشد فارسي الولاء، فنحن لا نتجنى على الحشد ولا على الحائري الشيرازي، ‏اقرأوا تصريحات قادته، صرح رئيس ميليشيا الحشد الشعبي فالح الفياض في 13/6/2022 في ‏كلمة القاها بمناسبة الذكرى السنوية الثامنة لتأسيس الحشد الشعبي إن ” هناك من يحاول جعل ‏الحشد الشعبي ظاهرة مؤقتة في العراق ضد مشروع المقاومة الإسلامية، ان الحشد الشعبي ‏أصبح الذراع القوي بيد إمامنا خامئني لتحرير فلسطين، وسلاح الحشد الشعبي يدافع عن مشروع ‏المقاومة الاسلامية مع شقيقه الحرس الثوري في إيران، فنحن من حمى ودافع عن الحكم الشيعي ‏المرتبط بمشروع الامام خامئني”. كما صرح قاسم الاعرجي (من فيلق بدر الايراني) وهو ‏مستشار الأمن القومي العراقي في حديث صحفي بتأرخ 9/12/2021 ” أزف اليوم البشرى إلى ‏إمامنا خامئني وفصائل المقاومة بإنتهاء المهام القتالية للتحالف الدولي في العراق والذي جاء نتيجة ‏صواريخ فصائل الحشد الشعبي والضغط الإيراني وأحزابها المقاومة في العراق”. كما صرح أيضا ‏عضو تحالف الفتح، حسين اليساري في 31/10/2021 في تصريح صحفي الى” وجود مخاوف ‏كبيرة من (تذويب) الحشد الشعبي من قبل البرلمان والحكومة المقبلة التي افرزها التزوير الذي ‏حصل في الانتخابات. لكن بوجود الإمام خامنئي ورئيسي لن يلغى الحشد”.‏
السؤال المهم: لماذا لم يدعم الحائري الجيش العراقي وبقية القوى الأمنية بدلا ان يحصر دعمه ‏في (حشدنا المقدس) ومن اين جاءت صفة التقديس هذه؟ الا يؤكد هذا الكلام ان ايران تخشى من ‏تعاظم الجيش العراقي، وتصب إهتمامها (على حشدها المقدس).‏
إن إعتداد الحائري الشيرازي بنفسه على إعتبار ان الصدريين من مقلديه يجانب الصواب، فلو ‏سألت 98% من الصدرين عن الحائري الشيرازي سيجيبوا بأنهم لا يعرفوه، وهذا ما أكده الصدر ‏بقوله ان قيادة الصدر لم تكن بفضل الحائري او غيره من مراجع الشيعة، بل أرث من الله تعالى ‏ومرجعية محمد محمد صادق الصدر. ان النجف هي مرجعية الشيعة الأولى سابقا وحاضرا ‏ومستقبلا، وليس قم كما غمز الحائري الشيرازي في طيات بيان إعتزاله.‏
أما دعوة الحائري الى الوحدة والانسجام في العراق، فهذا أمر يثير السخرية، لأنه بصراحة موجعة ‏لا يؤمن نظام الملالي بالأمن والإستقرار ووحدة العراق والحفاظ على سيادته، هذا مجرد كذب ‏وافتراء، وسبق أن توضحت الرؤية من خلال بيانات وتصريحات السيدة مريم رجوي وقيادات ‏منظمة مجاهدي خلق الأبطال حول وحشية نظام الملالي ودجل المرشد الأعلى وعصابته.‏
ونسأل العقلاء: هل بيان الحائري الشيرازي يدعو الى الوحدة والإنسجام أم العكس؟ إعد قراءة ‏رسالة الإعتزال وستكتشف الحقيقة بنفسك. الغرض من إعتزال الحائري الشيرازي هو شق صف ‏التيار الصدري لا أكثر، من خلال توجيه الصدريين الى طاعة الولي الفقيه الخامنئي بإعتباره ‏الأجدر والأقدر في إدارة الأمة. لكن الأوضاع في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغزة تكشف زيف ‏هذه الدعوة الباطلة.‏
ثم هل نسينا فتاوى الحائري المتطرفة بقتل رجال البعث (تبناها حازم الأعرجي القيادي في التيار ‏الصدري)، وفتوى جواز تفجير دور السينما وغيرها من فتاوى الإرهاب وفق القانون الدولي، فأية ‏وحدة يزعمها هذا الدعي؟ ان محاولة نقل المرجعية الشيعية من النجف الى قم، أقرب للخيال، ويبدو ‏ان الحائري وهو في أرذل العمر، قد فشل فشلا ذريعا في بيان مبررات إعتزاله.‏
الطريف في الأمر ان ردٌ مقتدى الصدر على بيان إعتزال الحائري يضعنا في مشكلة فقهية عميقة، ‏فقد ذكر الشيخ المظفر” عقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط: إنّه نائب للامام (ع)‏‎ ‎في حال غيبته، ‏وهو الحاكم والرئيس المطلق، وله ما للإمام في الفضل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد ‏عليه راد على الامام، والراد على الامام راد على الله تعالى، وهو على حدّ الشرك بالله”. (عقائد ‏الإمامية/18). حسنا ردٌ مقتدى الصدر على المرجع الحائري نائب الإمام، فكيف سيكون الموقف؟

علي الكاش

نشر بواسطة المحرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.