إضاءات وعبر ودروس عن زيارة الأربعين / 2

إضاءات وعبر ودروس عن زيارة الأربعين / 2
بقلم : عبود مزهر الكرخي

ولو نستقرئ زيارة الأربعينية والمشاية الذين يسيرون في دروب النور والأفاضات الإلهية لوجدنا أنها تحمل دلالات ومؤشرات عديدة وهي نوردها قسم منها وعلى سبيل المثال لا الحصر وهي :
1 ـ رضى الله سبحانه وتعالى عن الحسين(ع) وهو الذي كان يطلب مرضاة الله جل وهلا وهو في أخر رمق من الحياة وهو يقول { لك العتبى ياربّ، صبرا على قضائك، ياغياث المستغيثين، لا معبود سواك، إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى }(1)وهذا الرضا بقضاء الله وقدره هو كان ترجمته بهذا الزيارة الاربعينية والحشود التي تسير نحو قبلة العاشقين والمؤمنين .
2 ـ تجديد البيعة للأمام الحسين(ع)والخط الثوري الذي انتهجه في مقارعة الطغاة والظالمين.
3 ـ المواساة لأهل البيت وبالذات الى زينب الحوراء(ع)وما مارسه الطغاة من آل أمية من سبي وطغيان تجاه الأمام الحسين وذراري رسول الله(ص)مضاف اليه مواساة الرسول والأمام علي وفاطمة الزهراء والحسن المجتبى(صلوات الله عليهم أجمعين).
4 ـ ومسيرة الأربعين تمثل وعبر العصور هو تحدي للظالمين والطغاة وطلب العدل والحرية منهم في كل زمان ومكان. والهتافات التي تصدح بها حناجر المؤمنين وباسم الحسين هو تهديد لكل الجبروت والظلم والطغيان ومايقومون به.
5 ـ وهذه النقطة مهمة وهي طلب الثواب الإلهي العظيم، حيث ورد عن الامام موسى الكاظم عليه السلام قوله (( من زار قبر الحسين عارفا بحقه غفر الله له ماتقدم من ذنبه وماتأخر )) .
6 ـ الإصرار والتأكيد على شرعية خروج الإمام الحسين(ع)، والتي كانت نهضة إنسانية والوقوف بوجه الحاكم الظالم والمنحرف، والأهم هو ابطال الأكذوبة التي تقول حرمة الخروج على الحاكم الظالم والفاسد مما يروج له الشيوخ من وعاظ السلاطين، والتي لازال هؤلاء الشيوخ الجهلة يفتون بهذه الفتاوي التي ما أنزل الله بها من سلطان.
7 ـ بناء الإنسان المسلم الصحيح الرافض للباطل والظلم والذي يتخذ من الأمام الحسين(ع) مثله الأعلى، والذي يكون في وجدان وضمير أي مسلم ومؤمن والذي تجرفه حب الدنيا والأهواء، ومن هنا يساهم النموذج الحسيني في رجوع التائهين من المؤمنين إلى طريق الإسلام الصحيح والنقي والخالي من كل الشوائب والأدران. ليكون الحسين هو صاحب المشروع العظيم والسامي العالمي وليمثل الأنموذج العالي وبأعلى المضامين للبشرية جمعاء.
ولهذا حاول الحكام الطغاة والظالمين إزالة الاثر المادي والمتمثل بضريح الحسين ومن بعدها الاثر المعنوي وعبر التاريخ ليصل في وقتنا الحاضر بقصف الضريح المقدس بالمدافع والصواريخ ومن قبل النظام البائد ولحد الآن من قبل الإرهابيين بمحاولة زرع العبوات وأرسال الانتحاريين والقتل على الهوية. ولكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح ولم تنفع محاولاتهم الخائبة ولم يستطيعوا إزالة الأثر المادي وكذلك المعنوي، لأنه ما كان لله ومن بناه الله سبحانه وتعالى من أجل رفع الدين لن يتم إزالته وتدميره، وما كان لله ينمو ولن تفلح كل محاولات الدنيا في اسكات هذا الصوت مجلجلاً تخشع له القلوب والضمائر وتهتز له النفوس من الأعماق، والحسين سيقضي على كل تلك المحاولات البائسة لكل من يريد اسكات الصرخة الحسينية المدوية والتي بها زلزلت كل عروش الظالمين والديكتاتورين، ويبقى أنه أعاد الهمة والعنفوان إلى الأمة المهزومة والتي قد زرع الشموع في طريق هذه الأمة التي أصابها الخنوع والانهزام والاستجداء لتكون تضحيات الحسين واهل بيته واصحابه المنتجبين كانت الشموع التي انارت الدروب لطريق الحرية وكسر أطواق العبودية ولتسير على هدي الرسالة المحمدية الصحيحة التي لا لبس فيها ولا شبهات ولا انحراف، ولهذا لم يستطيعوا إزالة الأثر المادي والأثر المعنوي الأثنان وبقت شامخة تفوح منها كل اشعاعات العنفوان والآباء.
ولهذا عندما يذهب كل زائر الحسين هو لا يزور الخشب والذهب والعظام بل هو يزور هذا الدم الطاهر الذي سال على أرض كربلاء وهو دم عزيز عند الله ولهذا عندما أٌقف عن الضريح المقدس أقول له وحسب ما جاء في الزيارة المأثورة ” يا اَبا عَبْدِاللهِ اَشْهَدُ لَقَدِ اقْشَعَرَّتْ لِدِمائِكُمْ اَظِلَّةَ الْعَرْشِ مَعَ اَظِلَّةُ الْخَلائِقِ، وَبَكَتْكُمُ السَّماءُ وَالاَرْضُ وَسُكّانُ الْجِنانِ وَالْبَرِّ وَالْبَحْرِ… “وهذا الدم العزيز قد اسقط عروش الظالمين وهؤلاء حكام آل امية قد أختصر حكمهم الظالم لتتهاوى بعد فترة قصيرة ولعدة سنين، وكل الطواغيت قد تهاوت كراسيهم وعروشهم أمام الأثر المادي والمعنوي لضريح الحسين. وليكون الدم لأبي عبد الله والصرخة المدوية لأبي الضيم هو أكبر صاروخ وقذيفة ضد من يحاول التصدي لأبي الأحرار الشخصية السامية والتي كانت النبراس لنجاة وتنير الأمة والإنسانية للخروج من النفق المظلم وليكون هذا الدم المبارك هو أهم بناء في تاريخ الحضارة لإنسانية عبر تاريخها الطويل والذي يكون الجسد الطاهر لأبي عبد الله هو منار يستظل به كل الأحرار والثوار والمؤمنين وصرح عظيم في بناء الحضارة الإنسانية.
ومن هنا كانت هذه الزيارة هي زيارة خالدة وسامية وبأعلى مضامينها وهي ليست لمواساة الحوراء زينب(ع)فقط ولو هذه المعنى هو عظيم ولكنها زيارة لها أفاضات إلهية وروحانية وهي وباعتقادي المتواضع أنها تسير وبرعاية وعين نبينا الأكرم محمد(ص) والأمام أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسن والمجتبى(صلوات الله عليهم أجمعين)وكذلك أئمتنا المعصومين(عليهم السلام) وساقي عطاشى كربلاء أبي الفضل العباس والحوراء زينب(عليهم السلام)والذي يشار اليه هو مباركة ورعاية الأمام الحجة المهدي(عجل الله الشريف)وبالأخص مشاركته في تلك المسيرة الربانية.
وفي الختام لتكن زيارة الأربعين رسالة خالدة لجميع العالم في التعريف بالإمام الحسين(ع) ومعسكره الحسيني بالنهضة الإنسانية المباركة والتي قام بها لتصحيح مسار الدين الإسلامي الحنيف والتعريف برسالة الحسين الداعية إلى السلام والمحبة والتسامح والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى وبناء الإنسان المؤمن الصحيح وبأعلى قيمه السامية والمؤمن بقيم الحق والعدالة والمساواة ولكل البشرية والعالم أجمع.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر :
1 ـ انظر: شجرة طوبى 2: 409، مقتل الإمام الحسين عليه السلام (المقرّم): 357، ينابيع المودّة 3: 83.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.