أول وآخر حديث مع سكرتير حلف بغداد

حلف بغداد
حلف بغداد

اذا اردت ان تحاور خليل ابراهيم (75) مدير الدعاية المزمن لحكومات العهد الملكي والسكرتير الشخصي لنوري السعيد على مدى ربع قرن سواء كان في الحكم او خارج السلطة حتى اختياره سكرتيراُ لمكتب حلف بغداد الذي سرقت وثائقه في اعقاب ثورة 14 تموز 1958

 فلابد من ان نتوقف معه عند ثلاث محطات يعتز بها ويتذكرها بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة قبل ان ينتقل الى رحاب الله قبل اسابيع وهو يدلي لي باول واخر حديث منذ اثنتين وثلاثين سنة على انتهاء العهد الملكي وبداية العهد الجمهوري

موظف يرضي (الما فوق)!
*حين قابلته في دار احد اقاربه يوم 13/7/1990 لم اكن ادري انه سيدلي باخر حديث له لاسيما انه كان يتمتع بصحة وعافية واناقة لم تفارقه منذ زمن الوظيفة حتى تركها وودعها بانتهاء عهد وبداية اخر لكن خليل ابراهيم وقد تركته ينتقي ما يريد الحديث عنه ويترك الباقي ربما للتاريخ اختار بنفسه ثلاث محطات من حياته السياسية تبدو اثيرة لديه بل ربما تعفيه مما نسب اليه واولها يوم تعرف على نوري السعيد في القاهرة وكان يشغل قنصلية العراق هناك ويواصل دراسة الدكتوراه سنة 1941 فسحب منه شفرة السفارة لان تقاريره التي كان يبعثها الى وزارة الخارجية غير دقيقة وهو خطأ دبلوماسي ركز عليه السعيد وبعد تزكيته من قبل اللاجئين العرب وأصدقاء السعيد عفا عنه فصار سكرتيراً شخصياً له سواء كان في الحكم او خارجه وثانياً ـ ثاني المحطات ـ عندما عين قنصلاً في لندن فاستقبل عبد الكريم قاسم الذي كان موفداً ضمن بعثة عسكرية فسهل له امره هناك لكن الاخير يوم صار رئيساً للوزراء انقذه من حبل قريبه المهداوي ومحكمته سيئة الصيت قائلاً له( اعتقلتك لاني كنت اريد حمايتك) اما الثالثة فيوم اختير سكرتيراً لمكتب حلف بغداد ـ في بغداد ـ فصحا صبيحة 14 تموز وهو في طريقه الى المعتقل ليفاجأ بان وثائق حلف الاستعمار قد انتقلت الى عاصمة عربية!
*لكن السؤال الذي يطرح نفسه .. اليس من حق قارئ اليوم ان يتعرف على واحد من رموز الامس فمن هو خليل ابراهيم؟..
ـ يمكن القول عن الرجل انه نجح في أشغال وظيفته كمدير للدعاية العام طوال السنوات الاخيرة من العهد الملكي التي كان يتسنم فيها نوري السعيد رئاسة الوزراء بصورة مباشرة او غير مباشرة لان السعيد كان ـ في الواقع ـ يدير الكثير من شؤون العراق الداخلية والخارجية حتى ان كان خارج الحكم وقد أحاطت الأوساط السياسية المعارضة لحكم نوري السعيد المرحوم خليل ابراهيم بهالة صورته بحجم اكبر بكثير من حجمه الحقيقي حتى عده البعض من ذوي الحل والربط في تدوير امور البلاد في حين انه لم يكن اكثر من موظف يحسن ارضاء الما فوق كما يقولون ومع ذلك فان لخليل ابراهيم بصمات ومواقف وذكريات لاتنسى اهلته لان يكون كفءاً ونزيهاً في ادارة المناصب التي شغلها بحيث ان محكمة المهداوي لم تستطع ادانته ولم توقع عليه اية عقوبة من العقوبات التي حكمت بها على الاخرين!

اللقاء الاول
*كيف تعرفت على نوري السعيد؟.. كان بداية حواري معه قال:
ـ كان ذلك اعقاب فشل ثورة مايس 1941 يوم جاء نوري السعيد الى القاهرة بصفة خاصة وكنت اشغل القنصلية العراقية واستعد للحصول على الدكتوراه وقد خرجت لاستقباله في المطار ومعي كان الشريف راكان بن ناصر خال الملك غازي واحد العاملين في السفارة وما ان نزل السعيد من طائرته الخاصة حتى صافحناه وكان اول سؤال طرحه على المرحوم راكان عندك شفرة السفارة فرد عليه لا عند خليل فقال بحدة اخذوها منه لان المعلومات اللي عندي كانت على خلاف ما يبعث به من برقيات!
وبعد سحب الشفرة توقعت في الاقل ان ينقلني من القاهرة اذا لم يفصلني وكان من حديثه انه قرأ برقياتي وتقاريري قبل مجيئه للعاصمة المصرية!
*قاطعته : وما سر هذه البرقيات والتقارير؟
اجاب:
ـ لما اندلعت ثورة مايس كان لابد من ان اكتب الى وزارة الخارجية تقارير وبرقيات عن ردود الفعل في الشارع المصري والحكومة المصرية واعترف الان ان حكومة مصر كانت ضد الثورة وتوقعت لها الفشل لكني كنت ابعث برقيات هي عكس الواقع وقد اتفقت مع عدد من الساسة السوريين واللبنانيين الموجودين في القاهرة على ذلك وهؤلاء هم اصلاً كانوا اصدقاء السعيد وعملوا معاً في الثورة العربية وبينهم اسعد داغروعوني عبد الهادي وامين الغوري وواحد من ال الحسيني ولا اكتمك انهم اشاروا عليّ ان اكتب ان الشعب المصري يؤيد الثورة لان المعركة التي دارت بين العراق وبريطانيا هي معركة عربية ضد غزو اجنبي.
وليمة عشاء ازالت سوء الفهم!
*ماذا حدث بعد ذلك؟
ـ الذي حدث انني تحركت سريعاً لازالة سوء الفهم الذي حدث وتحدثت مع اصدقاء السعيد حول الموضوع فقالوا لي اتركها علينا وما ان قابلوه للسلام عليه حتى تطرق الحديث الى البرقيات الكاذبة التي كنت اكتبها بتحريض منهم فاثنوا عليّ وافهموه ان السفارة العراقية قامت بواجبها وعلى ما يبدو فانه اقتنع الى حد بعيد وسمع كل المعنيين بالسياسة ان نوري باشا وصل القاهرة وابدى كل واحد منهم رغبته في التعرف والسلام عليه وكذلك طلب اساتذتي ان تتهيأ لهم فرصة مماثلة وانتهزت يوماً وجوده في السفارة فقلت له:
ـ باشا اكو جماعة يريدون السلام عليك.
*فرد : اهلاً بهم
*قلت له: انا اقترح دعوتهم على وليمة عشاء صغيرة ندعو فيها الساسة واساتذة الجامعة فقال رتب كل شيء وقد فرحت جداً لذلك وحددنا الموعد في نادي كلوب محمد علي الذي كان يومذاك من اكبر نوادي القاهرة وكنت في استقبالهم وعند تناولهم العشاء والتحدث معه اشادوا بي كثيراً حتى ان اساتذتي قالو له باشا نحن نفتخر بخليل وان شاء الله سيحصل على الدرجة الدراسية التي يريدها وكنت استرق السمع واحاول فهم الصدى عند الباشا وبانتهاء هذه الدعوة ازيلت كل العقبات من امامي وشعرت انني ساحقق حلمي في الحصول على الدكتوراه وبقائي في القاهرة وهذا ما كان مقررا وبدأت بترتيب مواعيده واعداد تقارير صحيحة هذه المرة وبشكل متقن وكان يستشيرني في بعض امور مصر السياسية باعتباري اعرف البلد حتى استدعت بغداد نوري السعيد!

صرت سكرتيراً له
*قال لي الباشا وهو يستعد للعودة الى بغداد الحديث ما زال لخليل ابراهيم اعتقد انهم يريدون مني تشكيل وزارة جديدة وساعتذر لهم وعليك ان تعرف ذلك لكن الذي حدث انه شكل الوزارة وكتب لي رسالة يشكرني فيها على الخدمات التي قدمتها له ويعرض عليّ ان اصبح سكرتيراً له. فاعتذرت بسبب كوني طالب دكتوراه وارغب باكمال دراستي فاذا ببريقية مستعجلة تصلنا من مجلس الوزراء تضمنت نقلي الى المجلس والتاكيد على عودتي فوراً فامتثلت للامر وعملت في مكتب رئيس الوزراء وصرت اعد له التقارير التي يريدها والمعلومات التي يرغب الاطلاع عليها وكنت اصاحبه في كل سفراته وجولاته!
*قلت له: يقال ان خليل ابراهيم كان يساير نوري السعيد حتى اخر لحظة؟ اجاب:
ـ هذا ليس صحيحاً والاصح انني كنت اناقشه ويتقبل البعض منها ويرفض البعض الاخر ولابد هنا من القول ان معظم وزراء السعيد ـ وهو كذلك ـ نشأوا في تركيا وكل المعلومات التي كانوا يمتلكونها تعود الى عهد الامبراطورية العثمانية وكانت كتابة السعيد للعربية ضعيفة لذلك توليت اعداد التقارير له وكذلك المحاضرات التي القاها في مؤسسات عديدة ومنها محاضرته في كلية الاركان العراقية التي صدرت مؤخراً وكتبت ايضاً معظم خطبه وتصريحاته في مجلسي النواب والاعيان!

امتحان امام الملك
*قلت لخليل … ذكرت في بداية حواري معك ان نوري السعيد اختارك في القاهرة ونقلك الى بغداد ورافقته في سفراته هل تتذكر حدثاً ما وقع لك معه ؟ اجاب:
ـ نعم ولن انساه فقد اصطحبني الباشا مرة في زيارة خاصة لسورية والاردن واذكر ان الملك عبد الله وكان ورعا وتقيا ومن المثقفين ثقافة عالية ينظم الشعر العربي بالعربي والتركي قد استقبلنا في ديوانه فلفت نظره .. سأل الباشا هذا منو الشاب رد عليه: هذا خليل ابراهيم خريج الجامعة المصرية اريد اطلعه وياي حتى يتدرب واذا تريد تمتحنه امتحنه فصعد الدم الى رأسي لاني كنت اعرف عادة الملك في امتحان الشباب الذين يلتقي بهم بتوجيه اسئلة محرجة لهم للاجابة عليها فاذا اجتازوا الامتحان مدحهم وان كان العكس صرفهم بطريقة مؤدبة وكنت انتظر سؤال الملك وانا احاول شحذ ذهني لما سيحدث ..قلت لجلالته: تفضل سيدي…قال ما هو رأيك بالاحزاب والانتخابات النيابية في البلاد العربية؟ اجبته (انه مجرد نقلد الاخرين في هذا المجال فلم نصل بعد درجة النضج كي نعمل احزابا ونقيم مجالس نيابية ؟). وكان نوري (باشا) ينظر الي وينتظر جوابي لانه سيتحمل مسؤوليتي اذا فشلت لانه لم يختر الشخص المناسب!
*قال لي الملك (يقول خليل)سؤال اخر؟
ـ اجبته : تفضل سيدي
*قال من اصلح رئيس وزراء في العراق؟
ـ سكت ولم اجب!
 *فظل ينظر الي بتمعن ، ثم التفت الى السعيد قائلا(يا باشا هذا من خيرة شباب العراق اعتز بيه) وكان من عادة الملك ان يترك ديوانه كل ربع ساعة ليسمح لضيوفه بالتدخين ان رغبوا او شرب الماء،ولما خرج من مجلسه اقترب مني نوري قائلاً (منين انت تعرف هذا رأي الملك عبد الله)اجبته (والله باشا ما اعرف ، لكن الحقيقة هذا رأيي ) قال لي : ولماذا لم تذكر من هو اصلح رئيس وزراء ؟ قلت : لا استطيع لان نوري باشا كان (كاعد)!

مدير بالمصادفة
*لماذا اختاروك مديرا للدعاية؟
ـ بالمصادفة … فقد ذكرت اني كنت اعمل في القاهرة ونقلت من خلال برقية (الباشا) كمدير لمكتبه بالاعارة ، ثم عدت للخارجية لمدة في شعبة الاوراق السرية ، ثم فوجئت بنقلي الى مديرية الدعاية العامة بامر من السعيد نفسه وامتثلت للامر وكان امامي امران لا ثالث لهما . الاول سيطرتي على المديرية ومعرفة واجباتي بالتعاون والتنسيق مع موظفيها وقد تحقق ذلك فعلا خلال اسبوع من تسلمي منصبي الجديد ، الثاني تحسين صورة مديرية الدعاية بالنسبة للخارج من خلال توثيق علاقاتي بالاحزاب المعارضة وفي مقدمتها حزبا (الاستقلال) و(الوطني الديمقراطي) ونجحت في ذلك عبر علاقتي الشخصية باثنين من اقطاب الحزبين المذكورين هما فايق السامرائي الذي اعرفه منذ دراستي الثانوية وحسين جميل وكان زميل دراسة ايضا. واذكر ان كامل الجادرجي اتصل يوما ليبارك لي منصبي فشكرته ثم قال لي (اكو عندي قضية موقوفة عندكم) فطلبت معرفتها ثم قلت له (ارسل واحدا غدا والقضية منتهية) فاستغرب ذلك وتساءل هل درستها جيدا فاكدت عليه ثانية انها منتهية، وعرفت بعد ذلك ان رزمة كتب ارسلت للجادرجي لم تتول مديرية الدعاية تسليمها له … وكان بعض موظفي الدائرة جهلة فالكتاب لا يدفن ومن حق كل قارئ ان يقرأه او يقتنيه ، وكان بامكان الجادرجي ان يحصل على الرزمة بطرقه الخاصة لكني قطعت عليه الطريق . وبعد اربعة ايام من تسلمه الرزمة اتصل بي حسين جميل ليبلغني (هاي شنو الجادرجي هواية يمدحك ، هذا ميحب احد مدكلي انت شسوتله ) قلت له ابو علي (يقصد حسين جميل) ( اني سويت اللي علي ولم اتجاوز القانون اكراما له ، لكني عاملته كرئيس حزب مناهض للسلطة ورجل سياسة ونائب ووزير).ثم اتصل الجادرجي ثانية فشكرني طالبا زيارتي فرحبت بها بعد ان افهمته انني عل استعداد لزيارته لكنه رفض ذلك وزارني في دائرتي وكنت باستقباله عند الباب فقال لي (اشكرك . هذه اول مرة ازور دائرة الدعاية واسمع اخبار زينه ) فرددت عليه (بيك اني موظف حكومة ويسرني استقبالك انت وجماعتك في أي وقت لانكم تخدمون هذا لوطن).

لامصروفات سرية
*وبالنسبة لحزب الاستقلال؟
ـ كما قلت لك كان فايق السامرائي صديقي وكذلك قاسم حمودي وكنت اتصل بهما دائما فاطلب من (ابو نزار) (يقد السامرائي) التريث في الكتابة عن الموضوع الفلاني لانه يحرجني امام رئيس الوزراء وغالبا ما كان يستجيب لي وهو بنظري اكثر اعضاء حزب الاستقلال التزاما ، اما رئيس الحزب الشيخ مهدي كبة فكان ينصاع لصديق شنشل وهو الاخر اعرفه من الثانوية!
* ما التغيير الذي احدثته في جهاز الدعاية؟
ـ عملت بحدود المعقول ووفق امكاناتنا المادية التي لم تتجاوز اكثر من ثمانين الف دينار!
*هل بضمنها المصروفات التي تدفع للصحف والمجلات الخارجية؟
ـ ليست لدي مصروفات سرية ، انما كنا ندفع اشتراكات لعدد من الصحف والمجلات العربية، اما المصروفات التي تعنيها فهي من صلاحية مجلس الوزراء.

القسم الثاني ينشر في العدد القادم 
هذا الحوار اجراه الصحفي الراحل رشيد الرماحي مع الراحل خليل ابراهيم ونشر في صحيفة الجمهورية 1978

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.