1

ـ سفر مؤجل إلى حين

هناك في الأفق البعيد حيث شفاه الحسناوات تقبل الشفق، وتطبع حمرتها عليه فيصطبغ بدماء الشهداء التي طبعها التفجير على أديم الأرض، تشعر بفراغ قاتل، تبحث في ثنايا العقل عن مفردة تشبع بها نهمك إلى المعرفة، وأنت في فيوضات الوجدان والتيه المغمور باللوعة يأتيك صوت دافئ: ألديك ميول ثقافية هذا المساء؟

إذن تعال لنحتسي بعض كؤوس الكلمات… تعال لنحصي أمانينا المؤجلة، فقد طال انتظارنا في عصر اللاشيء… وفي الضوضاء يدير أحدنا ظهره على الآخر، ويسير لا يدري إلى أين، فالتخمة تغلق باب الذهن وتعلق في وقع الخطوات، فلا يعد أحدنا محتاجا إلى أكثر من غيمة بيضاء تحمل بيدها ممحاة لتمحو خطايانا التي فاح عطرها الرديء، فيطيب حينها السهر دون تفكير بالرحيل… وقد يعطيك (الكاتم) تذكرة اللاعودة إذا حان أوان الرحيل، فما في الحياة شيء مستحيل وإلا ما كان الإنسان قد صار إنسانا.

* * *

2ـ الضحكة الصادقة

سمعت كثيرا عن الضحكة الصادقة أو الضحكة من أعماق القلب، ولكن بالرغم من تجاوزي الستين من عمري لم أر أحدا يضحكها أمامي، ربما لأن دوافعها لم تتوافر لأحد ممن اعرفهم… ولذا ارتعدت فرائصي حينما سمعتها لأول مرة في حياتي، وكم  كنت في توق إلى معرفة الدافع الكبير الذي أتاح لي في آخر عمري سماعها، فلم أجده بسبب نشر الإسلام في العالم، ولا بسبب نجاح حوارنا مع الآخر، ولا بسبب نجاحنا في فتح الفضاء وغزو المجرات، ولا بسبب اكتشافنا علاجا لمرض السرطان أو الشيخوخة، لأن من أطلقها من أعمق أعماقه إرهابي قتل عمار بن ياسر من جديد ساعة فجر مرقده، وقد أدهشه أن يرى القبة تتبعثر وتتبخر وتختفي من الوجود بفعل التفجير.

ياه! كم نحن متخلفون حتى عن … حتى عن أنفسنا.

* * *

3ـ يوم خارج الحسابات

بعد أن تجاوزت الساعة الثانية عشرة ليلا قلت لضيفي الذي تأهب للنوم: الحمد لله فقد نجحنا في اقتناص يوم آخر يضاف إلى أعمارنا!.

قال: لا تكن متفائلا بهذا القدر يا صديقي فما زالت أمامنا ست ساعات لتشرق شمس اليوم الجديد، وهو زمن طويل في حسابات العراق!

 

 

4ـ  الباغية والقواد

بعد أن يتقدم العمر بالبغي وينهكها العمل في أقذر وأقدم مهنة في التاريخ، وتفقد جمالها ونضارة وجهها، ويحجم الرجال عن طلبها؛ فلا يرغبون فيها، تتحول تلقائيا إلى العمل بمهنة القوادة، وهذا ما أشارت إليه أمثالنا الشعبية.

ولكن إلى ماذا  يتحول القواد حينما يكبر؟ هذا ما لم تتحدث عنه الأمثال الشعبية وكأنها ادخرته لنا لنضع له التوصيف الذي يتفق معه،  حيث ثبت أن القوادين يتحولون بعد أن يتقدموا في العمر إما إلى شيوخ للإفتاء الطائفي، أو إلى سياسيين فوضويين، أو إلى إعلاميين ومهرجين بُله في قصور الطغاة من الحكام، في أمة يطيب لها الحديث عن العهر أكثر من الحديث عن الطهر.

* * *

 

5ـ في وقت ما

في وقت ما ومكان ما ثمة أنا، وامرأة ما، وبقايا ذيول الشمس في الأفق البعيد، ومن بعيد ثمة أناشيد عيد، وناي ينزف ألحانا.

الزمن متوقف ينظر إلى خصلات شعرها، شعرها الذي يشبه ذيول الشمس الغاربة،

كانت ترنو إلى حيث الناي يئن.

وأنا الذي أظناني الشوق فضيعت يومي وأمسي، كنت أبحث عن نفسي في نفسي، فتصادفني خصلات شعر مستعار، وعطر فيه بقايا دم، وكثير من الألم، ألم كأنه أسرار بحار تركته امرأة ما  في يوم ما في مكان ما لا أذكره لتزاحم الأفكار في رأسي، رأسي المملوء بذكريات الأمس، فأعود إلى مكان ما وانظر إلى امرأة ما ولكني لا أعرف الزمن مع أني اعرف أني في زمن ما كنت أعرف نفسي.

* * *

6ـ خائفة وبقايا رجل

سألها: سيدتي ماذا تريدين مني؟ إلام تلمحين؟ ماذا تبغين من بقايا رجل هده السفر؟

ماذا تبغين من حطام داسته الحقب وأنهكه تعاقب الليل والنهار، من ظل باهت الملامح إلا من خيال ليس له قرار، من حقل جفت أزهاره وتهدمت حيطانه وغادرته الأطيار، من حفل غادره المدعوون؟

ماذا تبغين من روح أدمنت العذاب على مر العصور، من رجل ما عاد ينتصر بعد أن ذاق طعم الهزيمة مرارا؟

أنا يا سيدتي فرصة أخيرة لم تعد صالحة لشيء وليس لها المقدرة على احتمال ما في العالم، أو مجرد الحلم بفرصة ثانية في الحياة فقد غلقت دوني الأبواب، لا مستقبل، وكل الفرص المتاحة مجرد نفق شديد الظلمة لا ضوء في نهايته.

أجابتني: النهايات سيدي ليست آخر المطاف فقد يكون الفرح كله في النهاية، أنت عظيم حتى في تعثرك وسقوطك، وكما سقوط المطر ينبئ بالخير كذلك أنت؛ سقوطك ينبئ بحياة جديدة، فلا تبتئس ولا تتهرب مني وأحطني بكلتا يديك لأشعر بالأمان لأني امرأة خائفة، والنساء حينما يخفن لا يصنعن المعجزات.