ألأسفار الكونية – المدينة الرابعة

ألأسفار ألكونيّة – ألمدينة ألرّابعة
ألوادي ألرّابع : *(التوحيد)؛ Unity

تعريف التوحيد في الفلسفة الكونيّة:
ألتوحيد هو: [رؤية الله في كلّ الأحوال كقدرة أساسية مهيمنة و فاعلة قبل و بعد و مع كلّ ألمخلوقات والأحداث(1)].
ألتوحيد(2) ألعمليّ لا يتحقّق في وجود ألمؤمن سواءاً كان عالماً يهوديّاً أو مسيحيّاً أو صابئيّاً أو مسلماً أو أيّ دين آخر .. ما لم يتفكّر في وجود الله على الدّوام حتى يصبح معيّته بل كمثله(3), و يكون بعد معرفته ألأجوبة ألشافية للأسئلة المصيريّة التي طُرحت في مباحث المحطّات السّابقة خصوصاً الثالثة و المختصة بـ(المعرفة) مهما بلغ ألسّالك آلعارف آلتّبحر في العلوم و الفقه و الأصول؛ مالم يُطبق الشّرع بآلمعرفة الكونيّة لأنّ المعارف والمسائل الفقهية التي وردت في الرسائل العملية(العبادات والمعاملات) وحدها لا تكفي لتوحيد الله تعالى(4), رغم أنّها حُدّدَت قبل ألف عام وتتكرّر (تُستنسخ) كل فترة, وتلك مقدّمات واجبة لخوض غمار الأسفار الكونيّة لتعميق مفهوم توحيدي للعالم في قلوبنا عبر رؤية كونيّة عميقة تبدأ من أعماق القلب و تنهي بآلمطلق ألكونيّ ألّلانهائي, أملاً في الوصول إلى آلمدينة التالية (الخامسة), و هي (ألأستغناء) بإذن الله.

لتشكيل رؤية كونية عميقة و عملية تُحقّق فلسفة التوحيد في آلضّمير (القلب) بعد التكثر الذي يزداد إنتشاراً و تكسّراً أضاعتنا بإتجاهات مختلفة يوما بعد آخر لطبيعة آلنفس الطامعة و القوانين الوضعية السائدة التي تفصل ألدّين – كمنبع وحيد للأخلاق – عن الأقتصاد والسياسة لأجل الفساد, بحيث لم يعد الله هو آلحاكم بل الحزب و العشيرة و الحاكم و النائب في حياتنا و وجودنا!

لهذا و لتحكيم قوانين الله؛ يوجد أمامنا عناوين أخرى لا بُدّ للمسافر من معرفتها, حدّدتها (الفلسفة الكونيّة) كشرط لتحقّيق المفهوم التوحيدي للعالم في مجال (الأقتصاد والسياسة وآلمجتمع) و باق المجالات الأخرى خصوصا تلك المتعلقة بها حقوق الناس, ولا يتوقف عند الإحساس والتصور وآلتنظير كما يعتقد العلماء, بل يجب عبورها إلى ما وراء ذلك, من خلال دراسة؛ ألنظريات المؤيدة و المخالفة(5) بشأنها؛ كمعيار تقييم التصور؛ التصور الإسلامي؛ الحقيقة المطلقة ومبدأ الوجود؛ صفات الله؛ ألمجتمع وعلاقته بخلق القرآن أو إزليته(6)؛ العبادة؛ تعريف العبادة بدون الشرك؛ روح العبادة؛ إصالة الأنسان أم إصالة المجتمع؛ مِحْنَة الفكر الأنسانيّ؛ مراتب التوحيد؛ توحيد الذات(لماذا و كيف إختص الله بآلصفات الذاتية)؛ كم صفة ذاتيه لله تعالى؛ توحيد الصفات؛ توحيد الأفعال؛ التوحيد في العبادة؛ الإنسان والتوحيد؛ ألخلود و العدم؛ ما هي ألعلل الأربعة في إثبات الوجود؛ درجات الشرك؛ ألحدّ الفاصل بين التوحيد والشرك؛ مفاهيم في التصور التوحيدي؛ العدل الإلهي في الفكر الإسلامي؛ و أخيراً لماذا أإختار الله و كرّر صفة الرحيمة كإسم و عنوان لرسالته في الوجود؟

جميعنا يعلم بأنّ لكلّ مدرسة فكريّة تصوّر ما يقوم على أساس الفرضية و التجربة .. عن الكون والعالم, وهذا االتصور ينطلق من رؤية: (فلسفية) او (علمية) او (دينية), و النّظرية تتشكّل أساساً من الحاجة التي تقتدح الفرضيات في ذهن الباحث فيختبرها و يجرّبها للتأكد منها
وتبقى نقائص العلم مع إستمرار الزمن لمحدوديّة التجربة و العقل والقدرات وهو قادر على اجراء التجربة على المظاهر فقط.
النقص الثاني: عدم تمكن الأنسان من السيطرة على القوة الغيبة الفاعلة في تقرير مصير المخلوقات بحسب الأرادة الألهية.
النقص الثالث: صعوبة معرفة وكشف أسرار الذات الأنسانيّة التي لها تأثير بارز على تحديد مصير الأحداث و المخلوقات.
النقص الرابع: عدم قدرتنا على إدخال الزمن كقانون لتحديد المعادلات, من حيث له تأثير قوي ومصيري في تقريرها.
النقص الخامس: قيمة العلم تتجلى بالجانب العملي والفني لا النظري, بينما الأيديولوجية الكونيّة بحاجة الى ركائز عقلية ثابته.
التصور الفلسفي لا يصل في دقته الى التصور العلمي ولكنه مستند الى سلسلة من المبادئ الكونية البديهية, و بما أنّ العلم قائم على الفرضية والتجربة ولا ينطلق من مقدمات بديهية عقليّة, لهذا فأنّ الفلسفة الكونية تتقدم على العلم بدرجات .. زائداً كونها الفلسفة الأم لكل الأحداث(7).
ألبديهية لا يُمكن للذهن إنكارها وتفرض نفسها عن طريق ألمعايشة والبرهان.

فلسفتنا لكونها حدّدت كلّ المعادلات الكونيّة لتكون ختام آلفلسفة لتحليل وتفعيل الأحداث والخلق و الكون بإطار الأحتمالات الثلاثة؛
ألخلق (مُمكن الوجود) وآلخالق(واجب الوجود) وآلممنوع من الوجود(ممتنع الوجود) لذلك فهي صالحة لكلّ المخلوقات وما قد يخلق أو يُكتشف مستقبلاً, و ستبقى حيّةً عامّة وشاملة و دائمة و فاعلة مع إستمرار الوجود.

وآلمشكلة الكبرى للبشرية حتى يومنا هذا, و بسبب ركون الخلق و تحجر الفكر عموماً و عدم الأستفادة المُثلى للعقل, وموت الضمير وتخلف البشر وحتى الأنسان لعدم بلوغ مرحلة (ألآدمية)؛ لم تستطع البدء بآلأسفار الكونية و بآلتالي حلّ لغز الوجود و الوصول ليس لمدينة العشق و السلام .. بل حتى ألشروع بالمسير .. و هكذا بقيت تعيش في المستنقعات البشرية الآسنة فأثبتوا بأنّ كلّ مدرسة فكريّةٍ أو عقيدةٍ تبنّاها النّاس لم تقم على أساس التفسير ألكونيّ للوجود والمصير؛ للمبدأ والمنتهى, فإزداد الفساد و الظلم و المسخ, ومن هنا إختلفت ألرّؤية الفلسفية الكونيّة عن غيرها و إعتبرت ختام الفلسفة بآلقياس مع جميع الفلسفات والمذاهب والأديان التي ظهرت للآن.

إنّ أكمل الأديان والمذاهب والاحزاب والمدارس الفكريّة والفلسفيّة والاجتماعيّة .. قد تستند إلى رؤية شبه كونيّة خاصّة بها, لذلك لا يُمكن أن ترتقي للمستوى المطلوب في كشف الحقائق وبآلتالي البدء بآلأسفار, وإنّ الأهداف الستراتيجية و ما بعدها التي تطرحها مدرسة معيّنة وتدعو لتحقيقها عبر المناهج التي ترسمها؛ والواجبات والمحظورات التي تضعها؛ والمسؤوليّات التي تفرضها, كلّها نتائج تستتبع بالضّرورة ألتصوّر الذي تتبنّاه تلك المدرسة تجاه الوجود والحياة والمصير, و لهذا وبسبب النظرة الناقصة أو المشوّهة و الخاطئة أحياناً لم تحقق الغاية من الخلق والكون, بل حدث العكس في أوساط الشعوب.

فلسفتنا التوحيديّة ألكونيّة؛ لا تعتبر أيّة قيمة لأحكام أيّ دينٍ أو مذهبٍ أو مدرسةٍ فكريّةٍ صحيحة ومتكاملة وهادفة, ليست لها رؤية ثابتة, و تفتقد أسس آلفكر والحكمة ألمترسخة في أعماق القلب وصفاء ألرّوح كأساس لتحقيق الأسفار الكونيّة للأنتاج وآلإبداع من خلال الحضارة والمدنيّة بجانب العدالة وآلسّعادة وصون الكرامة لرضا (آلمعشوق) كأهداف كونيّة ما بعد الستراتيجية لتوحيد الوجود بآلله وإنهاء تكثرها, ومن هنا فإنّ الكيانات والأحزاب الوضعيّة و آلمذاهب الأسلاميّة المعاصرة فاقدة لأيّ إعتبار كونيّ, لفشلها وإفسادها قلوب الناس وشلّ مسعاهم بدل إصلاحها, و لا تمتلك آلنظرة المعرفية ألكونيّة ألثابتة ألموثوقة وآلخالدة المُستندة على الحكمة وطهارة القلب, ولأحتوائها على متناقضات وأهواء مختلفة أَفْقَدَتْ العالم المحبة وآلأنصاف والمعروف, لهذا إنحرفت عن الغاية من وجودها, حتى أعلن (الكهنة) وبلا حياء؛ بكون العلاج الوحيد للناس, هو: نشر الفساد ليظهر المنقذ ألذي وحده سيملأها قسطاً و عدلاً بعد ما ملئت ظلما وجوراً و فوق هذا أبطلوا و حرّموا ظهور أية حكومة أو دولة إسلامية إلا بظهور المنقذ, و هذه الفرية مخرج شيطانيّ مُبين خبيث سعوا من خلالها لحفظ ماء وجوههم البائسة و دكاكينهم ألقميئة للإستمرار بضمان مصالحهم الشخصية و مستقبل أبنائهم و أحفادهم بعيداً عن مشاكل و محن الناس و جروحهم بمحاربة الظلم و إقامة العدل, و لهذا جاء تأكيد القرآن على وجوب الأخلاص والتسلح بالحكمة كطريق وحيد للخلاص بدلاً من هذا التخدير الشيطانيّ الذي تسبّب في تركيز وإدامة الظلم.

الحكماء ألعرفاء؛ قسّموا الحكمة إلى: الحكمة النّظريّة والحكمة العمليّة.
الحكمة النّظريّة: فهم الكون كما هو كائنٌ, كلٌّ بحسب تجربته, لكون الطرق إلى الله بقدر أنفاس الخلائق.
الحكمة العمليّة: وعي وإعمال السّلوك العمليّ كما ينبغي أن يكون, وهذا الذي “ينبغي أن يكون” هو النّتيجة المنطقيّة لحقيقة ضمير “الكائن” الذي يتّصف بآلتواضع المقترن بآلحكمة لدرجة (ألآدمية) بعد عبوره ألمرحلة (البشرية) ثمّ (الأنسانيّة), وهذه الآدمية لا تتحقق في مسير السالك ما لم يحصل على العلم الكثير, لكن لا بعلم آلاصول والمنطق ونظريات التزاحم و ما إلى ذلك, بل بآلحِكَم العمليّة التي يتجاوز بها السّاعي ألعشوق المجازيّة لأجل ألعشق الحقيقيّ.
ألفيلسوف الكونيّ.
(التوحيد) هو المحطة الرابعة من ألأسفار الكونيّة التي تضم 7 محطات هي:
Dispense- ألأستغناء puzzling – ألحيرة Unity – ألتوحيد Knowledge – ألمعرفة Love – ألعشق Demand – ألطلب
.Poverty and the Yard الفقر و الفناء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ألأحداث الجميلة المفرحة كلّها من عند الله, بينما القبيحة المؤلمة ألضّارة كلّها من عند المخلوقات, و ألأنسان له مساحة مشتركة مع إرادة الله في تعين الأقدار, و هذا الموضوع طرحناه تفصيلاً في موضوع القضاء و القدر في كتاب الأسفار الكونية.
(2) قلما تجد موحداً عملياً في زمننا المالح هذا, لأن [الشرك دبّ فيهم كدبيب النمل].
(3) ورد في الحديث القدسيّ: [ عبدي أطعني تَكُنْ مثليّ, تقول للشيئ كُنْ فيكون], ويتمّ تحقيق الأمر بعبادة الله والأتيان بآلنوافل التي لا يأتيها سوى الذي إمتحنه الله في إخلاصه و صفاء قلبه و نيته و أخلاقه مع أهله, حيث قال تعالى:
[ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعـطينّهُ ، ولَئِنْ إستعاذني لأعيذنّهُ].
(4) لو كانت الرسالة العملية وحدها تجزئ وتبرئ للذمة وكما يكتب الفقهاء بداية رسائلهم؛ لما تجرّأ المؤمن “ألدّاعية” بإعتبارهم النخبة الأيمانية .. أن يسرقوا قوت الفقراء واليتامى بدمٍ باردٍ, بل وصل الأمر لئن يُحلّلوا ذلك بقولهم: إنها أموال مجهولة المالك.
(5) لا يمكن إثبات صحة – أيّة عقيدة – إلاّ من خلال مقارنتها بآلعقائد الأخرى لمعرفة مدى صحتها او عدمها.
(6) يجب دراسة قضية (خلق القرآن) التي إبتدعها (الأشاعرة) و سبب ذلك فلسفياً, وقد تبنّاها الخليفة العباسي لكشف مناوئيه و المعارضين له, وكان بآلمناسبة أوّل من إستخدم (نظرية التأطير الأعلاميّ) ولم تكن من إبتداع ألغرب كما يدّعون, و هكذا بقيّة المفاهيم وآلنظريات, لو تأملناها لرأينا الأمويون وبعدهم العباسيون هم أوّل من إبتكروها لتدمير وسحق حقوق ونهضة الشعوب وسعادتها.
(7) ألفلسفة الكونيّة تُحدّد ألمراتب الكونيّة بسبع درجات: قارئ؛ باحث؛ كاتب؛ مُفكّر؛ فيلسوف؛ فيلسوف كونيّ؛ عارف حكيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.