أفات اجتماعية قاتلة (26)

آفات إجتماعية قاتلة ( 26 )
أيتامكم عظماؤكم رعايتهم تبني حضارات وإهمالهم يُدَمِر أمما !

قال تعالى :” فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ” .

أحمد الحاج

لم يكن ذلك اليوم الشتوي الكئيب كسائر أيامي ففيه إنهار بفعل اﻷمطار الغزيرة سقف منزلهم القديم بمنطقة الفضل في رصافة بغداد فوق رؤوسهم ليقتل اﻷب الكادح وليترك ولدين صغيرين فقيرين أحدهما من صلبه والثاني يتيم ضرير متبنى سبق للكادح ضمه الى كنف أسرته لرعايته فتركهما ورحل من غير وداع ، يومها وقع علينا خبر الحادث وقع الصاعقة وفيما إنشغل أعضاء الجمعية الخيرية القريبة بوضع خطة عاجلة لمساعدة اليتيمين ، سرحت بذهني بعيدا عن مسرح اﻷحداث وجلت بخاطري مشرقا ومغربا وأنا أتأمل واقع اﻷيتام المأساوي وأعدادهم في العراق المكتظ بسراق المال العام ولصوص المؤسسات ومشعلي حرائق الطوابق المخصصة للعقود وأحط الساسة الذين عرفهم التأريخ وأخسهم في عصر – الكراث والفجل – تزيد على 5 ملايين يتيم يعاني معظمهم من شظف العيش والحرمان المادي والمعنوي بأبشع صوره ، في تلكم اللحظة المتشحة بالسواد إزدحمت بداخلي روايات اﻷدب العالمي التي تناولت اليُتم وضحاياه وأشهرها رواية ” أوليڤر تويست “لتشارلز ديكنز ، قفزت الى ذاكرتي كل قصائد الشعراء عن اليتامى ومعاناتهم وأبرزها قصيدة (اليتيم) لإيليا أبو ماضي،وقصيدة ( كفالة اليتيم ) لحسب الله مهدي ، وقصيدة (شكوى اليتيم) لأبي القاسم الشابي ، و(نظرة في شموخ اليتيم) لعبدالرحمن العشماوي و( اليتيم في العيد ) للرصافي ، هرعت الى مخيلتي جميع اﻷفلام السينمائية التي تناولت اليتيم ( فيلم اليتيمة ، Goodbye Children، دهب ، العذراء والشعر الأبيض ، سعد اليتيم ، اليتيم والذئاب ، جعلوني مجرما ، اليتيمتان ، ياسمين ، اطفال الشوارع ) كل ذلك وصوت شيخ القراء المنشاوي العذب كان يصدح من مئذنة جامع الاحمدي القريب ( كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ) ، إنها آية مباركة واحدة من أصل23 آية تطرقت الى اليتم ومشتقاته في القرآن الكريم وحضت على رعايتهم وتربيتهم واطعامهم وكفالتهم وحمايتهم والإنفاق عليهم ، كيف لا والديانات التوحيدية الثلاث التي يدين بها أكثر من 3 مليارات ونصف المليار إنسان حول العالم بما يعادل 55% من سكان الكرة اﻷرضية قد أرسى دعائمها أيتام ثلاثة ، موسى عليه السلام عاش يتيما ، عيسى عليه السلام ولد يتيما ، رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتيم اﻷبوين، وفيه قال أحمد شوقي:
نِعمَ اليَتيمُ بَدَت مَخايِلُ فَضلِهِ ..وَاليُتمُ رِزقٌ بَعضُهُ وَذَكاءُ
وفي فضل اليتيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ “، وقوله صلى الله عليه وسلم ” أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما” ،وقال صلى الله عليه وسلم “اللهم إني أُحَرِّج حق الضعيفين، اليتيم والمرأة” ومعنى أحرج أي ألحق الحرج والإثم بمن ضيع حقهما ، وجاء في السيرة النبوية المطهرة ” أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ: “إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ”، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ مُسْلِمِينَ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ أَلْبَتَّةَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ ، أَوْ أَحَدَهُمَا ثُمَّ لَمْ يَبَرَّهُمَا ، ثُمَّ دَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فَكَاكَهُ مِنَ النَّارِ ” .
كل ذلك دفعني الى إمعان النظر وتقليب الطرف والبحث والتقصي لفترة طويلة في ظاهرة اليتم ودورها في نهوض اﻷمم والمجتمعات أو إنهيارهما وقد إكتشفت العجب العجاب من جراء ذلك ، وبإمكاني أن ألخص جانبا مما توصلت اليه ، حيث وجدت بأن المجتمعات التي لاترعى أيتامها تنجب طغاتها حتى أن طغيانهم وطاغوتهم ليطفو فيغرق أمما من حولهم ، بخلاف المجتمعات التي ترعى أيتامها وتهتم بهم على الصعد كافة فهذه تنجب لنا عباقرة وعلماء وحكماء وفلاسفة على أعلى المستويات يعم خيرهم وعطاؤهم في بلدانهم ويفيض على من جاورهم !
ولعل من إفرازات وصور ظلم اليتيم في الصغر السفاح اﻷشهر في التأريخ المتعطش للتوسع والدماء جنكيز خان ” قاهر العالم ” المسؤول عن مقتل ما يقرب من 40 مليونا عاش يتيما مع أمه بعد اغتيال والده بالسم غدرا وهو لما يبلغ الـ 13 سنة من العمر بعد ، الطاغية الكبير جوزيف ستالين المسؤول المباشر عن مقتل 49 مليون انسان كان والده سكيرا يضربه بشدة الى حد الادماء يوميا وكذلك كان يفعل بوالدته ليهجرهما في نهاية المطاف فيعيش ستالين اليتم والفاقة برفقة أمه التي أحبته إبنا وكرهته ملحدا ، الحال لم يختلف كثيرا مع ادولف هتلر المسؤول المباشر عن مقتل 21 مليون انسان في عموم أوربا والمانيا التي حكمها بالحديد والنار ، اذ كان أبوه قاسيا جدا ويضربه وأمه بشدة وقد دون الزعيم النازي ذلك كله في كتابه الشهير ( كفاحي ) ، قيصر روسيا الدموي ايفان الرهيب، الذي قتل ابنه وكل الحاشية المحيطة به وكانت له قوة من الحرس الخاص المتوحش يطلق عليهم ” كلاب القيصر “عاش يتيم اﻷبوين بعد وفاة أبيه وهو في الثامنة من العمر ومقتل أمه بالسم وإرتكب من الفظائع ما يشيب لهولها الولدان ، وﻻشك أن العراقيين عانوا اﻷمرين من حكم يتيم ظُلمَ صغيرا على يد زوج أمه وعانى من الحرمان والفاقة اسمه صدام حسين المجيد ، فكانت النتيجة أن أدخل العراق بحرب ضروس تنكح أخرى خلفت ملايين القتلى والجرحى والمعاقين واﻷرامل واﻷيتام ، وكان الإعدام في عهده أول العلاج وليس كالكي آخره طال حتى أقرب المقربين من عائلته وعشيرته وحزبه لينتهي العراق الى ما إنتهى اليه حاليا من ظلام دامس ومستقبل مجهول يقوده ثلة من – البايعين ومخلصين – ماخلا القليل منهم !
على النقيض من ذلك كله فإن رعاية اﻷيتام والعطف والحنو عليهم كما أمرنا الباري عز وجل تنجب لنا أمثال الامام الشافعي ، احمد بن حنبل ، السخاوي ، الغزالي، المتنبي ، ابن حجر ، طارق بن زياد ، دافينشي ، نيلسون مانديلا ، غاندي ، سيمون بوليفار ، ستيف جوبز ، ارسطو ، عبد الحليم حافظ ، احمد زكي ، حافظ ابراهيم وغيرهم الالاف من المبدعين وﻻيفوتني أن أذكر بأن حكيم الصين اﻷشهر كونفوشيوس كان يتيما منذ الصغر وعاش مع أمه ، وحكيم الهند بوذا أو ” المستنير ” كان يتيما ايضا توفيت أمه بعد أيام من ولادته فعهدت تربيته الى خالته ، وهنا لايسعني سوى أن أعيد ما سبق لي اقتراحه للحيلولة من دون ولوجنا النفق المظلم الناجم عن إهمال اليتامى مجددا وما يتمخض عنه من مصائب وكوارث شتى ﻻقدرة لنا على مجابهتها ،مذكرا بأن العناية باﻷيتام وحسن تربيتهم من عدمها تصنع رجالا ونساء سيصنعون التأريخ إما سلبا أو ايجابا ويحركون عجلته إما الى اﻷمام أو أنهم سيضعون العصا في دولابها ان لم يعيدوا عربتها الى الوراء ، اليوم مطلوب وبإلحاح كبير مشروع وطني عراقي حقيقي وواقعي و شامل لإنقاذ ايتامنا موجزه اﻵتي :

*بناء اكبر عدد من دور اﻷيتام بجميع ملحقاتها ومرافقها الخدمية وتوفير ملاكاتها كافة في كل محافظة من محافظات العراق وبواقع ثلاث دور كبيرة للذكور واﻷناث واﻷطفال منهم .
*تخصيص راتب شهري لا يقل عن 100 الف دينار غير مقيد بالتقلبات الاقتصادية والسياسية التي تعصف بالبلاد بين الحين والآخر توزع بين اﻷيتام خارج الدور وتدخر للمستفيدين داخلها في رعاية القاصرين وبذات الشروط .
*تخصيص حصة تموينية اضافية شهرية بجميع مفرداتها (زيت ، معجون ، رز، سكر ، بيض، حليب)…لعوائل اﻷيتام .
*علاج اليتيم مجانا في جميع المؤسسات الصحية الحكومية واﻷهلية .
*شمول اليتيم بكسوتي الصيف والشتاء وبكسوة وهدايا عيدي الفطر والاضحى.
*التكفل بجميع مستلزمات اليتيم الدراسية ومتابعته تربويا ودراسيا للسيطرة على ظاهرة التسرب المدرسي ومكافحة اﻷمية اﻷبجدية والتقنية وللحفاظ عليه من الزلل وعصابات الجريمة المنظمة واصدقاء السوء .
*تخصيص ملاكات نفسية واجتماعية وتربوية ميدانية لمتابعة واقع اليتيم في الجانبين النفسي والاجتماعي داخل الدور وخارجها .
*اقامة دورات مهنية تطويرية وتدريبية اجبارية كتعليم الحاسوب وفنون الخياطة والتطريز وتنسيق الزهور والسيراميك و النجارة وصيانة الاجهزة الكهربائية واﻷلكترونية وميكانيك السيارات وفنون الطبخ ونحوها داخل الدور وخارجها ، يزج فيها اﻷيتام مجانا وتمنح لهم شهادات تخرج في ختامها ، على ان تقوم وزارات العمل والتخطيط والإعمار والإسكان والصناعة اضافة الى المالية بتوزيع هذه القوى الشابة العاملة كل حسب شهادته وخبرته بين مؤسسات الدولة ودوائرها كافة وتكون لهم اﻷفضلية في التعيين على الملاك الدائم – ﻻعقود وﻻ اجور يومية – لضمان مورد ثابت لهم .
*تكثيف الاهتمام باليتيمة العراقية فلها خصوصية كونها انثى ما يضيف عليها عبئا آخر في العيش كيتيمة داخل المجتمعات بشكل عام والعراقي بشكل خاص.
*اقامة حفلات زواج جماعي للايتام بعد بلوغهم مدفوع التكاليف وحبذا لو كان الزوجان احدهما يتيم دار للذكور واﻷخرى دار أيتام للاناث .
*اﻷهتمام بالمواهب ” الفنون التشكيلية ، الرياضة بأنواعها ، التمثيل ، الخط وماشاكل ” ورعايتها وتنمية قابلياتها مجانا .
وصلى الله على سيدنا محمد القائل ( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : الشِّرْكُ بِاللهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاَتِ.)
ولله در القائل في فضل اليتيم :
حَسْبُ اليتيم سعادةً أنَّ الذي..نشرَ الهُدَى في الناسِ عاشَ يَتيما”
اودعناكم اغاتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.