أسماء المحلات البغدادية قبل أكثر من قرنين

المحلة مجتمع صغير تسوده علاقات تعتمد المعرفة الشخصية أساسا لبلورتها والانتماء إليها هو انتماء تعزيزي يوطد الانتماء إلى الوطن بمفهومه التقليدي الذي يستوعب خارطة الوطن من حيث الحدود الجغرافية والإبعاد السياسية . وكان الأقدمون من العراقيين يتفاخرون في الانتساب إلى محلاتهم من خلال ابراز القيم السلوكية النوعية معلنين عن استعدادهم للدفاع عنها في حالة وجود خطر يداهمها .

 لم يكن تفاخرهم لأسباب شخصية ولا من باب عرض العضلات ليظهر فوقها الوشم للادعاء بمجد شخصي وبطولات وهميه كان الانتساب إلى المحلة يعني الانتساب الى الخلق الرفيع والعادات الحسنة كنصرة الضعيف وحماية الجار وإيواء ابن السبيل والمساهمة في الأفراح والأتراح والتبرع بشيء عيني كنقود مثلا وخير مثال على ذلك.. 
الشوباش الذي يقام قبل الزواج بفترة وجيزة وسط الزغايد والبستات الشعبية مثل ” فانوسكم عالدرب هو العمة عيوني ” كناية عن جمال العروس . وعلى صعيد المحلة كانت تمارس الحياة اليومية من خلال تجسيد المروءة والشهامة والشجاعة وكرم الاخلاق وطرح الذات الشخصية طرحا نوعيا يسهم في توطيد العلاقات الاجتماعية ويبنيها بمفاهيم اسرية حميمة وكأنما المحلة أسرة واحدة وما لعبات “المحيبس ” في شهر رمضان الفضيل وتبادل الزيارات بين محلة وأخرى  الأنموذج لهذه الإخوة المبنية على المودة والحب والاحترام والتقدير بكفات متساوية بين محلة  وأخرى .
إن هذا الشعور يستمر في التنامي العاطفي وبلورة المشاعر الوجدانية فيوطد علاقات اجتماعية جمة تتحول فيما بعد إلى مفهوم المواطنة بمعناه الشمولي العام وهكذا تتحول تقاليد المحلة إلى ممارسة وطنية تذكي الروح الوطنية وتفرز الغث من السمين في درجة الولاء للوطن ,, التي نحن اليوم بأسس الحاجة للتعامل معها بقيم حضارية عليا تيمنا بقول الشاعر . 
ولي وطن اليت إلا أبيعه
ولا أرى غيري له الدهر مالكا
عمرت به شرخ الشباب منعما
بصحبة قوم أصبحوا في ظلالكا
أن أسماء المحلات تقترن دائما بأبرز الدلالات الزمكانية والشخصية والقبلية وتنسحب عليها لغة النظام السياسي القائم في حينه كما سنرى من كثرة الأسماء التركية في محلات بغداد قبل قرنين سلفت وكالاتي : 1- محلة الشط :
هي محلة ألسنك الحالية التي أصبحت بعد الاحتلال البريطاني مقرا للجيش الانكليزي وكانت قبل ذلك في العهد العثماني مقرا للقنصلية الانكليزية وبعد الاحتلال سكنتها (مس بيل ) مهندسة المخابرات البريطانية في العراق وقد أطلقت على دارها اسم “دار العفة” التي كانت تدار منها مجمل مفردات العمل ألاستخباري البريطاني في بغداد والعراق عامة .2- محلة السبع أبكار : سميت بهذا الاسم ولاتزال عليه حتى يومنا هذا حيث كان في احد بساتينها بئر ماء علية سبع بكرات للسقي يعود للحاج عبد الرحمن أفندي ابن الحاج محمد جلبي الباججي . باع ربعا منه الى يوسف عزرا بحر بألف قران “سكة محمد شاه” 3- محلة حمام الراعي : هي محلة الدبخانه فيما بعد . 4- شريعة الغالبية : وهي شريعة الميدان وقد نسبت هذه الشريعة إلى اسم عشيرة بهذا الاسم كان بعض من منتسبيها يسكن في زقاق منها . 5- محلة كاتب العربية : وكانت زقاقا من أزقة رأس القرية وكان فيها دير راهبات . 6- محلة تلال شاه قولي وتكتب أحيانا “شاهقول” وهي محلة جديد حسن بشا والتي مازال البغداديون الذين ولدوا فيها او عاصروها يعرفونها بهذا الاسم وهي مشهورة بوجود سراي الحكومة وساعة القشلة وقد اتخذ هذا السراي مقراً لأول حكومة بعد الاحتلال البريطاني  وجزء من العهد الملكي –وهو رمز معماري قديم يتسم بعمق وعرض أساسات الجدران فيه وبه استقرت اول حكومة عراقية في بداية الانتداب البريطاني برئاسة  السيد عبد الرحمن النقيب وشغل فيها السيد طالب النقيب وزارة الداخلية وكان يوصف بالرجل القوى الكريم في ولائمه بعد الدوام الرسمي وكان الى جانب كل وزير عراقي مستشار انكليزي صاحب الحل والربط وراء الكواليس وكان فيلبي  هو المستشار الخاص لوزارة الداخلية والذي أصبح وزيرا للداخلية بعد نفي السيد طالب النقيب إلى إحدى جزر المحيط الهندي . 7- محلة طاق صلال : وهي محلة الحيدر خانة الحالية وكان فيها طاق أزيل فيما بعد وهي مشهورة بجامع الحيدر خانه المنبر الوطني لثورة العشرين حيث كان الملا عثمان الموصلي يلقي منه خطبه الحماسية التي تتحول منطلقاً إلى تظاهرة شعبية تجوب شوارع بغداد  هاتفة بسقوط الاحتلال البريطاني وكان المرحوم محمد مهدي البصير يلقي منه غرر قصائده في الوطنية منددا بالاحتلال البريطاني .8- محلة التمارة : وهي الشورجة الحالية وكانت مختصة ببيع التمر في محالها .9- محلة كموش حلقة محلة سي : أي محلة الحلقة الفضية وسميت فيما بعد محلة خضر بيك حيث انشأ فيها جامعا وهي قسم من محلة قنبر علي . 10- محلة خرطوم الفيل : وهي محلة باب الأغا الحالية في شارع الرشيد المأخوذ عنها المثل البغدادي الشهير حار ومكسب ورخيص مثل خبز باب الأغا . 11- قرانق قبوسي : أي باب الظلمة بالتركي وهي الباب الشرقي الحالي .12- محلة باب سفيد وهي محلة الباب الوسطاني الباقية إثاره في بقايا المقبرة التي تلي الخط السريع وقد رممته بلدية الرصافة في العام الماضي 13- محلة الزر كشي : وهي محلة الكريمات وقد سميت بالزركشي نسبه إلى احد العلماء المدفونين فيها وقد ضم هذا القبر إلى قصر كاظم باشا عند بنائه فيما بعد . 14- محلة الباغي والجديد : وهي محلة الدوريين حاليا وسميت بالباغي لكثرة البساتين فيها والباغي بالتركي هو البستان .15- محلة القلاعية : هي محلة الفلاحات الحالية . 16- محلة القوناقد : هي محلة سوق حمادة .17- محلة مركب الحمير: هي محلة سوق الجديد .18- محلة الياس : هي محلة خضر الياس وتقع فيها مسناة قصر الخلد العباسي 19- محلة الدهامش : هي محلة التكارتة فيما بعد في الكرخ . 20- محلة الهادرية :هي محلة الجعيفر الحالية
مجلة بغداد كانون الاول 1965

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.