آداب التهاني

التهنئة أمر حبيس الضلوع، تخرج في حينها دون سابق إنذار ولا إعداد مُسبق، ولا يُشترط في التهنئة البلاغة وروعة البيان، وإن كانت مرغوبة لمن يُتقن مداخلها ومخارجها، لكن يُشترط في التهنئة صفاء القلب وبياض الصدر، لذلك كانت التهنئة عمل القلوب، لتتمكن من فتح الصدور والوُلوج إليها.

 

منذ 18 سنة خلت، أشرف صاحب الأسطر على بعض المذكرات، إذ بالطلبة يستنسخون التهاني ويوزّعونها على بعضهم البعض، ويضعونها في صدر المذكرة مفتخرين بها أمام الزملاء، فتجد نسخة واحدة تمرّ على الدفعة كلها لايتغيّر فيها إلا الاسم، فالحسين أمسى عمر، وبختة تحولت إلى خيرة في لمح البصر، وكأنها آلة لتوزيع التهاني، لايعنيها سوى الكم المستخرج، غير آبهة بالنفوس ودقات القلوب.

 

إن استنساخ التهنئة هو احتقار لصاحبها وحطّ من قيمته، فالذي لايُفرغُ لحظات من عمره  من أجل كتابة التهنئة، معناه أن صاحبه أقل شأنا عنده من أن يُخصّص له ثواني معدودات، لأن التقدير والشكر والعرفان يحتاج كل منهم إلى تخصيص ولو دقائق قلائل لمن تُوجه له التهنئة، فيختار ألطف العبارات وأنسب الألفاظ لما يناسب الظرف والشخص الموجهة له الدعوة.

 

بقدر مايفرح المرء بالتهاني التي تصله ويعتز بها أمام الأهل والأصحاب، خاصة والشبكة العنكبوتية لايحدّها سقف ولا تمنعها حدود، بقدر مايحزن للصورة المستوردة المتداولة أثناء تبادل التهاني، فيتساءل حينها بحزن شديد، ألا يوجد غير الكبش الاسترالي لنقدم به التهاني؟، ألا يوجد صورة لنبتة عربية نقدمها للتهنئة؟، ولو التقط كل واحد صورة لشجرة أرضه، وزهرة حديقته، وأضحية وطنه، وجمال بلده وأرسلها يهنئ بها الأحباب، لكان خيرا للمرسل والمرسل إليه من تهنئة مستنسخة مستوردة،  

 

إن التساهل في استنساخ التهنئة، دفع أصحابها إلى استيراد حصص الضحك. وإذا كانت التهنئة تستغرق ثواني، فإنّ أثرها يمتد إلى أجيال، وكلما كانت أصلية نابعة من نبضات قلب كله صفاء، استقبلها صاحبها قبولا حسنا وظلّ يذكرها ويذكر صاحبها إلى الأبد، وينتظر تهانيه في كل حين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.