مات الملك

وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة لها ذئاب، ولما لا؟ وتيران تئن وصنافير تنوح فمن لهما يثور ويفور؟!

ثار بالآونة الأخيرة الكثير من الهرطقة حول تبعية تلك الجزيرتين بالبحر الأحمر، بعد أن وقعت الحكومة المصرية مع نظيرتها السعودية اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية، تنتقل بموجبها إلى سيادة الملك. وقد أوضح الأمر أن تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية اعتمد في الأصل على الرسم الفني لخط الحدود وتحديد نقاط الأساس المصرية لقياس البحر الإقليمي والمنطقة الاقتصادية الخاصة بمصر، والذي تم إخطار الأمم المتحدة بذلك في عام 1990، كما تم تبادل الخطابات الرسمية بين البلدين. ونشرت الحكومة المصرية عدة وثائق تعتقد إثباتها الملكية التاريخية للمملكة، من بينها مقال بصحيفة نيويورك تايمز! في حقيقة الأمر لم يكن سلخ الراعي للشاه مدخلا في كسر عنقه؛ فالروح مازالت تلهث وتتعافى من أجل مصريتها، وتلك هي الأدلة:
– منذ عام 1811 وهناك سيطرة شبه كاملة من مصر على شبه الجزيرة العربية وعلى طول طريق الحجيج المصرى بساحل الحجاز شيدوا القلاع لمعسكرات الجنود للتأمين، وكان يسمى بالحجاز المصرى؛ بما يؤكد أن البحر الأحمر كان تحت السيادة المصرية.
– المصريين عاشوا على تلك الجزر منذ القرن الثامن عشر؛ فيشرح لنا المستشرق الفنلندى المسلم (جورج أوغست فالين) أو (عبدالمولى) في كتابه عندما زار شبه جزيرة سيناء وشبه جزيرة العرب مرتين الأولى 1845والثانية 1846 والذي أكد مصرية هذه الأرض.
– تمسك مصر في صراعها مع الدولة العثمانية بكل شبر بسيناء؛ وحينها وقعت اتفاقية 1906 موضح بها صورة طبق الأصل من الخريطة التي رسمت الحدود من العقبة جنوبا إلى رفح شمالا دون أي تنازل عن شبر من السواحل المصرية ومقدراتها كافة.
– عام 1912 تضمنت خريطة مصر تلك الجزر باعتبارها أرض مصرية؛ وهى خريطة توضح حدود مصر بعد الجيش المصرى حارب عليها بالحرب العالمية الثانية، وكذا ضد الكيان الصهيوني أعوام 1956، 1967 و 1973 كان سببها هذه الجزر حيث تمسكت مصر بهما؛ وبالتالى مضيق تيران مضيق وطنى من حق مصر إغلاقه أو تفتيش السفن المارة.
– مصر رفعت العلم على جزر فرعون وتيران وصنافير عام 1950، وأخطرت بريطانيا وأمريكا والسعودية بذلك بنفس السنة.
– الأطلس التاريخي للمملكة والتي أعدته إدارة الملك عبدالعزيز عام 2000 وكان يرأسها الأمير سلمان-الملك الحالي- وتضمن أكثر من 300 خريطة عن المملكة ولم ترد تيران وصنافير بأى خريطة منها.
– مصر بعد هذا التاريخ اعتبرت تلك الجزر محميات طبيعية مصرية وأنشأت عليها سجل مدنى وقسم شرطة.
– أطلس القوات المسلحة المصرية ويضم أربع صفحات عن تيران وصنافير باعتبارها جزر مصرية وهو صادر عن إدارة المساحة العسكرية بوزارة الدفاع عام 2007.

ويبقي السؤال هنا…! هل ستبقى السيادة في عصمة أصحابها أم ستلجأ المملكة إلي التحكيم الدولي لتسوية النزاع الحاصل بدون الخوض في شكليات النظام القانوني لكل طرف؟ ومثلما لجأت مصر بالسابق للتحكيم في قضية النزاع على طابا فى مارس 1982 قبل شهر واحد من إتمام الانسحاب الصهيوني من سيناء عندما أعلن الجانب العسكري المصري في اللجنة المزمع عقدها بين الطرفين المصري والصهيوني، أن هناك خلافا جذرياً حول بعض النقاط الحدودية خاصة العلامة 91!

عند قيام حرب أكتوبر طلب الملك (فيصل) وقتها مقابلة الرئيس الـمريكي (نيكسون)، وذلك من أجل مناقشته عما تردد من منح الولايات المتحدة الكيان الصهيوني مساعدات عسكرية تؤمن لها بعض الاتزان في المعارك؛ الأمر الذي أزعج الملك وبعدها قرر مع دول مجلس التعاون الخليجي، قطع البترول عن كل الدول التي تقف موقفا داعما للكيان الغاصب، والذي جعلنا ننشد بعظمة موقفه في الحفاظ على روح الأمة العربية المتمثلة في أرض الكنانة مصر، فالجميع يعلم بأن مصر هي شريان الحياة لهم فما إن ضعفت انهارت معها كل الأمم وإن عظمت زاد رونق الأمم وعظم مجدها، الشيء الذي لم نجده في سلمان وحكمة الزمان لم تذكره اليوم! تيران وصنافير ليستا حقول للبترول أو منجما للذهب أو مرتعا للهو والعبث؛ إنما هما جزء أصيل من مقدرات عروبتكم يستحيل المزايدة عليهما أو النقصان منهما؛ فلا المملكة تحتاج لأرض ولا بسمو أخلاقها تريد القطيعة مع مصر، ولا بفضائل شعبها تطمع في كسب المزيد، فلاحاجه أن تكسب وتخسر هويتك وينتظر أعداؤنا على الحدود متأهبين في سحقنا كالأغنام!

اليوم وبعد حكم المحكمة الإدارية العليا (استمرار السيادة المصرية) على الجزيرتين الواقعتين بمدخل خليج العقبة بالبحر الأحمر؛ سيزيد من صعوبة الموقف على الأطراف الثلاث:
– المملكة ورغبتها في قنص الجزر من العدم.
– الحكومة المصرية ورفضها لمنطوق الإدارية العليا وترى فيه عوار، وستقوم بكسر الحواجز من أجل تنفيذ قرارها السابق.
– الثوار المصريون وشعب بأكمله رفض بيع الأرض وكسر النفس وسيلهث وراء آخر شبر في أراضيه حتى لو انهمرالدماء لتغرق تلك الجزر، على أن لا تكون بهوية غير مصرية!

وما العمل؟!
المملكة العربية السعودية تشعر بالغيرة وستذهب بعيدا من أجل كسب الأرض؛ لهذا ستلجأ للتحكيم الدولي، الأمر الذي سيلقي بظلاله نحو تسونامي جديد من قضايا التحكيم التي دائما ماتخسرها مصر والدفع إلزامي، فمصر تكبدت حتى يومنا هذا بحوالي 20 مليار جنيه بواقع 27 قضية تحكيم دولي رفعت ضدها، كانت آخرهم تعويض بمليار و76 مليون دولار لصالح شركة الكهرباء الصهيونية، بسبب قطع الغاز المصري عنها في أعقاب ثورة 25 يناير، ولذلك تعرف الحكومة المصرية واقع الحال خصوصا تردي حالها الاقتصادي من حال لأسوأ حال! لكن ستوافق عليه بالأخير حيث ليس لديها بديل وبالطبع ستخسر شعبها وتكسب الملك في صفها، لكن هذا ليس حلا وسيخلق كراهيه عمياء بين الشعبين وبحورا من الضغائن التي ستحاك في الخفاء! لهذا كان من الحكمة أن يعظم سلمان ترسيم مصر الحدودي وأن يحترم القانون والدستور وينصاع لقرار المحكمة الإدارية العليا باعتبارها أعلى محكمة بالقسم القضائي الإداري وأحكامها أحكام نهائية باته، فإن لم يكن تقديرا لنظام مصر وشعب مصر؛ فإجلالا وتقديرا لجده المغفور له الملك (فيصل بن عبدالعزيز آل سعود) الذي أحب مصر قلب العروبة ودرعها الواقي. فلاداعي لأن نقول: كش ملك خسرت رصيدك عند الناس ومات ورحم ملك عظيم أحبه الناس. دمتم في رعايته.

الناقد السياسي/ ميمد شعلان
al-bik@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.