مؤلفة “الأزهر وسطوة النص”: الخطاب الديني مُسيَّس ولا مفرَّ من إلغاء التعليم الأزهري

في الوقت الذي يتوافد فيه سنوياً آلاف الطلاب من أنحاء العالم فى رحلة البحث عن قبلة العلوم الدينية والفقهية بالجامع الأزهر الشريف بمصر، والذى بناه قائد المعز لدين الله الفاطمي جوهر الصقلي، عام 970 هجرياً، يتعالى اليوم من داخل أروقته صدى الصراعات المتلاحقة والمتعددة مع الدولة على مدار عامين، منذ دعوة السلطة السياسية في مصر لتجديد الخطاب الديني.

تخلل تلك الأعوام بيانات وردود من الأزهر ومقترحات قوانين من برلمانيين رفضها الأزهر.

إلا أن للأزهر تاريخاً سابقاً طويلاً من الوئام مع السلطات المتعاقبة تطرقت إليه الكاتبة والطبيبة بسمة عبد العزيز فى كتابها “الأزهر وسطوة النص”، الذي رصدت فيه الصراعات الداخلية بالجامع الأزهر وطرق اختيار شيخ الأزهر، وعلاقة الأزهر بالسلطة السياسية واستخدام الخطاب الديني لصالحها.

عبد العزيز هي طبيبة أمراض نفسية وعصبية اختارتها مجلة “فورين بوليسي” واحدة من 100 شخصية من قادة الفكر في العالم، والتي كانت قد حصلت على ماجستير في الأمراض النفسية العصبية ودبلوم في علم الاجتماع وعملت في مركز النديم لعلاج وتأهيل ضحايا العنف منذ عام 2002 كما تعلمت النحت على يد الفنان صبري ناشد.

البداية من الخطاب

تقول بسمة عبد العزيز لـ”هاف بوست عربي”: “شغلني لفترة ولأسباب متعددة خطاب المؤسسات الدينية الرسمية فى مصر، ليس الأزهر فقط وإنما الكنيسة الأرثوذكسية أيضاً. فكثير من البيانات والتصريحات والخطب كان لها هدف سياسي واضح لا يقتصر على المسائل الدينية. وبدأت فى متابعة الخطاب الديني بشكل عام منذ تحضير دراستي للماجستير في علم الاجتماع.

وما جعلني أهتم بتلك القضية ليس تلوين الخطاب الديني بصبغة سياسية فقط، تقول المتحدثة، ولكن كيفية استخدام السلطة للمؤسسة الدينية والخطاب الديني في تحقيق بعض أغراضها، والأثر الذي يتركه هذا الخطاب على مستقبليه من الجماهير.

وتضيف عبد العزيز أن منهجها في قراءة الخطاب الديني انطلق من مفاهيم علم تحليل الخطاب، وهو علم واسع قطعت به الدول الأوروبية شوطاً كبيراً، ولكنه في مصر لا يزال فى طور النضوج.

وترى الكاتبة أنه لا يزال أمامنا الكثير لتقديمه خاصة مع وجود خلافات جوهرية في اللغة ما بين العربية من ناحية والإنكليزية والفرنسية. وبالتالي ليس كل ما نقوم بترجمته في علم تحليل الخطاب يصلح لنا.

هناك مناهج ومدارس متباينة كثيرة، تقول عبد العزيز، ونحن نترجم عن روادها والباحثين فيها ولا نقدم إسهاماً أصيلاً إلا فيما ندر، وقد طالعت غالبية المدارس التحليلية قبل أن أختار التحليل النقدي للخطاب، إذ وجدته قادراً على استيفاء أغراض الدراسة التي انتويت القيام بها.

وتسعى الدراسة إلى “كشف الهيمنة التي تمارسها السلطة على الجماهير وإلى تعرية وسائل التلاعب الخطابية ومحاولات تزييف الوعي وبالتالي كشف الأهداف المختفية وراء الخطاب وذلك كان الموضوع الأساسي الذي كنت أبحث عنه فقمت بقراءات موسعة فى هذا النهج وأعتقد أنه كان الأنسب”.

الأزهر والسلطة

علاقة الأزهر بالدولة والسلطة على مر العصور كان فيها مشكلة أساسية، بحسب بسمة عبد العزيز، فشيخ الأزهر لم يتم اختياره أبداً بالانتخاب على العكس مما يعتقده البعض، “فأقصى درجات الديمقراطية في هذا الأمر أن يجتمع رجال الأزهر ويختاروا أربعة أو ثلاثة مشايخ وتُقدم أسماؤهم إلى ولي الأمر ليقوم باختيار واحد من بينهم، وبالتالي فشيخ الأزهر هو من اختيار السلطة”.

وترى عبد العزيز أن وجود مؤسسة دينية تحت إمرة سلطة سياسية يضع علامات استفهام كثيرة: فهل الخطاب الديني الصادر عن مؤسسة دينية، تحصل على تمويلها وموازنتها من السلطة، يعد خطاباً مستقلاً؟ وهل تظل هذه المؤسسة نفسها مستقلة، أم أنها تتأثر بارتباطها اقتصادياً بالدولة والسلطة وتصبح فى درجة من التبعية ؟

“لا شك أن هناك درجة من التبعية وهناك كذلك محاولات متبادلة لليّ الأذرع بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، فبين المؤسستين مصالح متبادلة خاضعة لتوازنات وحسابات خاصة، وفي الوقت ذاته تسعى كل منهما إلى مدّ حدودها ومناطق نفوذها وتوسيعها على حساب الأخرى”، تقول عبد العزيز.

وترى الباحثة المصرية العلاقة بين المؤسستين معقدة ومتشابكة، تتسم في بعض الأحيان بانصياع كامل من المؤسسة الدينية للسلطة وفي أحيان أخرى تحدث مقاومة، وإن كانت فى إطار لا تخرج عنه بما أن التبعية تظل موجودة والمصالح المتبادلة قائمة.

وفي الوقت الذي يطالب الكثيرون في الإعلام المصري بسن قوانين تسمح بتغيير شيخ الأزهر الذي يحميه الدستور من العزل، ترى بسمة عبد العزيز أنه، “في بلد لا تحترم دستورها وقوانينها فإن صكّ القوانين ليس المشكلة الجوهرية فكم من قوانين لا تنفذ ويتم التلاعب بها التحايل عليها وإيجاد الثغرات فيها، إنما بيت القصيد يتعلق بالهدف من وراء هذه القوانين. فالتقدم بمشروع هذا القانون يأتي فى سياق يتم خلاله تداول مسألة تجديد الخطاب الديني ودور المؤسسات الرسمية سواء كانت مشيخة الأزهر وهيئة كبار العلماء أو وزارة الأوقاف. ويبدو التقدم بهذا القانون شكلاً من أشكال العقاب ومحاولة لإخضاع المؤسسة الدينية وإجبارها على تبني رؤية السلطة الحاكمة وتنفيذ رغباتها، وهو مظهر من مظاهر ليّ الذراع”.

وتشير عبد العزيز إلى أن الصدام بين الأزهر والسلطة السياسية أمر نادر الحدوث، حيث وقع في مرات قليلة جداً صدام حقيقي معلن بين الأزهر والسلطة مثل الصدام الذي حدث في أوائل الستينيات خلال حكم عبد الناصر، إبان مشروع تطوير الأزهر واعتراض مشايخه على إخضاعه لمجلس الوزراء بمقتضى القانون.. “عدا ذلك فإن المناوشات بين السلطتين السياسية والدينية مستمرة مادام الخلط بين أمور السياسة والدين مستمراً. وأظن أنه لا رغبة حقيقية في تحقيق الاستقلالية للمؤسسة الدينية. فالاستفادة منها تحتم بقاءها تحت السيطرة، كما أن نفوذها ودورها وتأثيرها لا يمكن الاستغناء عنه ببساطة من قبل مؤسسة الحكم التي تسخر الأدوات المتاحة كلها للبقاء في موقع قوة”.

وتتحفظ الباحثة المصرية علي مفهوم مصطلح تجديد الخطاب الديني الذي يتم ترويجه حالياً في مصر، خاصة بعد دعوة الرئيس السيسي لذلك قبل عام، وتقول: “أنا أتحفظ على كلمة تجديد فلابد وأن نعرف ما هو المراد بها تحديداً. هناك نصوص موجودة تتسع لمتناقضات كثيرة فهل المطلوب هو انتقاء بعض النصوص وحذف الأخرى، أم أن المطلوب هو انتقاء أحاديث وحذف أخرى؟ أو طرح فقه مختلف عن الموجود ومحو ما عداه؟ وإذا حدث هذا أو ذاك، هل من الممكن أن تمنع أي شخص من الاستناد إلى ما يتم محوه وحذفه باعتباره من الموروث الديني؟ وهل من السهل أن يلغى الجديد ما سبق؟”.

وترى الباحثة أن الهدف من طرح مسألة تجديد الخطاب في هذه اللحظة ليس خلق مجتمع مستنير يتسع للجميع، وإنما المقصود أن يكون الخطاب الديني مسخراً لخدمة أهداف السلطة السياسية الحاكمة فيقوم بإضفاء المشروعية على أفعالها مهما كانت مناوئة لمصالح الجماهير العريضة، “أما مسألة التنوير وقبول الآخر وما في حكمها فلا أرى لها أي انعكاس حقيقي في مواقف السلطتين السياسية والدينية، كلاهما لا تسمح بوجود الآخر المعارض أو المختلف، بل تريد إعادة تشكيله ليتواءم معها”.

ورغم اعترافها بعدم الاطلاع على مناهج الأزهر بشكل مدقق، تقول عبد العزيز إنه لا يجب أن تمتلك المؤسسة الدينية تعليماً موازياً للتعليم العادي، “فلدينا (سَلَطة) تعليمية بفتح السين واللام، إذ أن هناك مدارس حكومية وتجريبية ومدارس لغات ومدارس دولية وتعليم أزهري وجامعات من كل مشرب ولون، وذاك أمر غير مقبول وغير مفهوم. تقول الكاتبة.

وتضيف، “أما عن الأزهر تحديداً فهو مؤسسة دينية من المفروض أن لا تكون لها علاقة لها بالتعليم العادي، ولا أفهم ما هو فضل طبيب متخرج من كلية طب جامعة الأزهر على طبيب متخرج من جامعة عين شمس؟”.

“هل يفترض أن يكون أكثر إنسانية أو أعلى أخلاقاً مثلاً؟” تتساءل عبد العزيز، “هذه نظرة غريبة جداً وربما انقرضت منذ زمن، فالربط بين مسألة التدين والأخلاق ليس حتمية، وإذا كان عبد الناصر قد أراد بخريجي هذه الكليات الأزهرية مواجهة الحملات التبشيرية في أفريقيا فقد ولّى هذا الزمن واختلفت الرؤيا وتغير شكل الصراعات”، بحسب رأي المتحدثة.

وتنتقد عبد العزيز بيان الأزهر الأخير الذي ربط فيه بين الأزهر والإسلام وقدم نفسه -على حد قولها- كمحتكر لليقين الديني والحقيقة وكاشفاً عما تصفه بعوار في خطاب المؤسسة الدينية، “فإحدى فقراته تشير إلى أن من يهاجم الأزهر وكأنه يهاجم الإسلام ونصها كالتالي: “والحقيقة التي يَتنكَّرُ لها أعداء الأزهر بل أعداء الإسلام هي أن مناهج الأزهر اليوم هي نفسها مناهج الأمس”

هنا نجد أن الأزهر يتماهى مع الدين الإسلامي فيصبحان واحداً، ويصبح من يناصب الأزهر العداء لأي سبب فإنما هو يعادي الدين أيضاً، والأزمة هنا أن هذا الدمج يجعل الأزهر محتكراً للصواب والحقيقة المطلقة فهو يتحدث باسم الدين بل هو الدين نفسه، وفكرة احتكار الصواب والحقيقة بوجه عام هي فكرة غير مقبول وقد تصبح في منتهى الخطورة، سواء جاءت من شخص عادي أو من رجل دين، لأنها تعني أن الشخص الذي يمتلك الصواب المطلق في مضمار الدين يمتلك أيضاً قدسيته وقدسية ما هو إلهي، وكلامه فى تلك الحالة مقدس بالتبعية ولا يمكن نقده ولا مهاجمته وإلا اتهم المعارض بأنه يهاجم الدين نفسه لندخل في دائرة من دوائر العنف الديني”.

دراسة خطاب ٣ شهور

وحول عملية إنتاج الخطاب الديني تقول الباحثة، “أثناء شغلي بالدراسة حاولت الوصول بشتى الطرق لما يسمى بـ “جماعة الممارسة” وهي الجماعة المسئولة عن صياغة الخطاب الذي يخرج بصورته النهائيةللجماهير، وقد توصلت إلى عدد من الأسماء التي تتولى صياغة بيانات شيخ الأزهر، وأفادت بعض المصادر الموثوق فيها بأن شيخ الأزهر يراجع البيانات المنسوبة إليه وإلى المؤسسة كلها، ولابد أن يوافق على ما جاء فيها قبل نشرها وبالتالي يمكن اعتبار شيخ الأزهر هو المسئول مسئولية كاملة عما يصدر عن المؤسسة.

وقد بنيت دراستي على ما كان متاحاً لي وقت إجراء الدراسة وهو المادة في صورتها الأولية، أي الخطب والبيانات في صورتها المسموعة والمقروءة على موقع المشيخة الرسمي، وبعض الخطب التى أدلى بها شيخ الأزهر كانت متاحة على موقع يوتيوب، ولكن المقابلات التي حاولت إجراءها كانت شبه مستحيلة وهو ما أشرت إليه في الكتاب وفي ملحقاته، رغم أني تواصلت مع المشيخة ومؤسسة الأزهر وقابلت السكرتارية وطلبوا مني إرسال الأسئلة بالبريد الإلكتروني أولاً، ثم تحديد موعد للقاء بحثي موثق ثانياً، وقد أرسلت الأسئلة كما طلبوا وحاولت التواصل لكن الباب أغلق وانقطع الاتصال تماماً”.

وتقول بسمة عبد العزيز إنها تتمنى أن يقتصر عمل المؤسسات الدينية على دعوة الناس للأخلاقيات الحميدة والمبادىء الكبرى التي لا يختلف عليها دين أو عقيدة..
“ليس على أي مؤسسة دينية أن تتطرق إلى تفاصيل السياسة وألاعيبها ومساومتها وتنازلاتها وغيره لأنها فى هذه الحالة تتحول إلى لاعب على الساحة السياسية ليس أكثر، واللاعب لا يلام فى تنازلاته ومواءماته بل وكذبه أحياناً، وجميعنا يربأ برجل الدين عن الدخول إلى هذه الساحة”.

وتقول الباحثة إن كتابها استهدف مناقشة وتحليل خطاب المؤسسة الدينية بعد 25 يناير، “لكنني اكتشفت أن حجم الخطاب هائل وضخم جداً لا تستطيع مؤسسة بحثية التعامل معه بمفردها فما بالك بباحث وحيد، وعليه قمت بتحديد فترة زمنية قوامها ثلاثة أشهر هي يونيو ويوليو وأغسطس من العام عام 2013، لأنها فترة زخرت بأحداث سياسية جسيمة كان للمؤسسة الدينية دور بارز فيها، بداية من 30 يونيو ونزول عدد كبير من المواطنين ضد حكم الإخوان ثم 3 يوليو وعزل المؤسسة العسكرية لأول رئيس مدني منتخب هو محمد مرسي، مروراً بأحداث عنف منها الحرس الجمهوري ثم طلب المؤسسة العسكرية التفويض لمكافحة الإرهاب ثم أحداث المنصة وختاماً بفض رابعة، جميعها أحداث تفاعلت معها مشيخة الأزهر ببيانات وخطب متعاقبة، وقد اعتمدت الدراسة على وحدة الحدث الرئيس، فتوقفت بعد فض رابعة ورد فعل المؤسسة الدينية عليه وكتبت أنها ختام مرحلة وكان قراراً موضوعياً إلى حد بعيد فقد حدث تغير بعد الفض وبدأنا مرحلة جديدة أكثر خضوعاً من ذي قبل”.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.