خارطة طريق لمكافحة الفساد

مسؤولية الدولة على المدى المنظور

خـارطة طـريـق مكـافـحـة الـفـسـاد

حـسـن الياسـري

لا ريبَ في أنَّ مكافحة الفساد تُعدّ مسؤوليَّـةً تضامنيَّـةً تقع على عاتق الجميع ، وهي لا تتحقَّق إلَّا بتوافر الإرادة التي تركنُ إلى الجدِّيَّة، وتستلزم وجود آلياتٍ قانونيَّةٍ وإجراءاتٍ عمليَّةٍ . وإكمالاً للرؤية التي طرحناها سابقاً لمكافحة الفساد – المنشورة في الموقع الرسميِّ للهيئة – ، وانسجاماً مع دعوات الحكومة والبرلمان الرامية إلى مكافحة الفساد في الوقت الراهن، فإنَّـنا، ومن واقع الشعور بالمسؤوليَّة، سنُحدِّدُ بشكلٍ عمليٍّ بعيدٍ عن التنظير خارطةَ طريقٍ لمكافحة الفساد في المديَينِ القريب والبعيد، علَّها تكون لبنةً في بناء قيم النزاهة وهدم أركان الفساد، واضعين الجميع أمام مسؤوليَّاتهم القانونيَّة والوطنيَّة والأخلاقيَّة.

أولاً: خارطة طريق مكافحة الفساد في المدى القريب:

ثمة مسؤوليَّاتٌ وواجباتٌ تقعُ على عاتق الدولة في المدى القريب المنظور، ونعني به المدى الممتدَّ من الآن إلى نهاية مُدَّة الولاية الدستوريَّـة للبرلمان والحكومة الحاليَينِ، وكالآتي:

(أ). مايجبُ على البرلمان القيام به:

1- الإسراع في سنِّ بعض التشريعات؛ لتطوير منظومة مكافحة الفساد القانونيَّة، مثل قانون الكسب غير المشروع – وهو مُعَدُّ من الهيئة سابقاً – ، وقانون مكافحة الفساد.

2- حسم قضية امتناع بعض المسؤولين من الإفصاح عن الذمَّة الماليَّة، التي كرَّرتها الهيئة منذ سنواتٍ بلا طائلٍ، إذ ندعو إلى ضرورة المعالجة التشريعيَّة السريعة فيها؛ سدّاً للثغرة التشريعيَّة التي أسفرت عن وجود اختلافٍ في الرؤى بين الهيئة – التي ترى أنها جريمةٌ يعاقب عليها القانون، والقضاء – الذي يراها مخالفةً إداريةً لا يُغطِّيها النصُّ القانونيُّ الصريح – ، لذا نُكرِّر القول بوجوب المعالجة التشريعيَّة عبر وضع نصٍ صريحٍ يُـجرِّمُ الامتناع من الإفصاح عن الذِّمَّـة الماليَّة ويُحدِّدُ عقوبةً صارمةً له.

3- تعديل بعض التشريعات القائمة التي لا تتناسب مع منظومة مكافحة الفساد، مثل قانون العقوبات، وقانون أصول المحاكمات الجزائيَّة؛ لغرض تشديد العقوبات المترتِّـبة على جرائم الفساد، ولاسيما جرائم الاعتداء على المال العامِّ، إذ ينبغي أن يتضمَّن تعديل القانون تغيير التكييف القانونيِّ لهذه الجرائم، بحيث تصبح كلُّها جنايةً – لا جُنحةً – وأن تكون عقوباتها السجن المؤبَّـد أو المؤقَّت – لا الحبس – . مع التنويه أنَّ مُسوَّدات تعديل هذه التشريعات كلَّها مُعدَّةٌ من قبل الهيئة ولا تحتاج سوى الإقرار.

4- إعادة النظر بقانون الأحزاب السياسية ؛ بغية تعديل بعض نصوصه التي لاتنسجم مع توجهات مكافحة الفساد ، ونحن جاهزون لتقديم مسودة التعديل.

5- تعديل قانون العفو العام ؛ بغية عدم شمول جرائم الفساد بأحكامه – ومسودة التعديل جاهزةٌ لدى الهيئة – . فلقد وأدَ القانون هذا كل جهود مكافحة الفساد ، وأفضى إلى غلقِ مئات بل آلاف القضايا التي تحمّلت الهيئة فيها المسؤولية وحدها ، وتصدّت وحقّقت في قضايا تُصنّف بكونها من قضايا الفساد الكبير شمِلت وزراء ومحافظين وأمثالهم . ولا مناص من الإشارة إلى أنه لا توجد دولة في العالم ينادي فيها الجميع بمكافحة الفساد ثم تقوم بسنّ قانون للعفو العام لتشمل جرائم الفساد به ، وهو مؤشرٌ سلبيٌ واضح لدى المنظمات الدولية المعنية بمكافحة الفساد ، وسيؤثر سلبياً أيضاً في تصنيف العراق بحسب معايير منظمة الشفافية الدولية.

6- تعديل قانون هيئة النزاهة لغرض توسيع صلاحيات الهيئة وبسط ولايتها القانونية والتحقيقية بصورةٍ أوسع- ومسودة التعديل معدّةٌ وجاهزةٌ لدى الهيئة -.

7- إصدار قرارٍ يتضمن الدعوة لنشر وبثّ المحاكمات المتعلقة بقضايا الفساد ، التي أحالتها وتُحيلها هيئة النزاهة ، بصورةٍ علنيةٍ أمام الجمهور ، وهو أمرٌ ينسجم مع الدستور والقانون اللّذين يقضيان بكون التحقيق سرياً والمحاكمة علنيةً.

(ب): ما يجب على الحكومة القيام به:

1- المضي في مشروع الحوكمة الألكترونية ؛ بغية إكماله في المرحلة المقبلة.

2- إكمال العمل بمشروع تبسيط الإجراءات ، لما له من أثرٍ كبير في تقليل منافذ الفساد.

3- دعم جــهـود الهيئة فـي تجـريـم الإمتـناع من الإفـصاح عن الذمّـة المـاليـة عـلى وفـق مـاورد فـي الفـقـرة ( أ – 2 ) أعلاه.

4- دعم جهود الأجهزة الرقابية وتوفير ما تحتاج إليه من إمكانياتٍ بشريةٍ ولوجستيةٍ ، إذ تحتاج هذه الأجهزة إلى المزيد من الإمكانيات غير المتاحة حالياً ، ومنها زيادة عدد محققي الهيئة ، وزيادة ملاك ديوان الرقابة المالية ، ذلك أن القضاء يلجأ في الغالب لحسم قضايا الهيئة إلى طلب رأي الديوان من الناحية التدقيقية ، وعادةً ما يتأخر ردّه ؛ بسبب قلّة ملاكه ولحجم القضايا الكبير. وإلى أن يتيسر ذلك للديوان ، يمكن الركون إلى الرأي الفني لقسم التدقيق الخارجي في الهيئة المؤلف من مدققين معروفين بخبرتهم الطويلة في هذا الإطار وهو صُلب اختصاصهم.

5- إعادة تقويم القيادات الإدارية المتقدمة لإبعاد الضعيف منها أو من تحوم حوله الشبهات.

6- إقالة بعض الوزراء – على وفق الآليات الدستورية – الذين سبق أن حققت الهيئة معهم في قضايا مهمة.

7- إقرار الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد ، التي أعدتها الهيئة وأحالتها إلى مجلس الوزراء منذ ما يقرب من عامين ؛ لتضمنها إجراءاتٍ عمليةً كثيرةً لمكافحة الفساد ، وهي تمثل إحدى الإلتزامات الدولية الملقاة على عاتق جمهورية العراق.

8- توفير الضمانات الكافية لقضاة النزاهة ، وبالأخص توفير سكنٍ خاصٍ لهم في منطقةٍ محميةٍ ؛ ليشعروا بالأمان وهم ينظرون في قضايا مهمةٍ وكبيرةٍ مُحالة من الهيئة تخص وزراء ومحافظين وأمثالهم.

9- التنسيق مع مجلس القضاء الأعلى ؛ بغية تطبيق إعمام المجلس المتعلق بالتحقيق الإداري في قضايا النزاهة بحسب ماورد في الإعمام ، بحيث يتم اللجوء إلى هذا التحقيق في بعض الأمور الفنية التي تستلزم ذلك حتماً ، وليس في كل الأمور – كما هو تفسير بعض القضاة – ، وأن لاتكون المدة الزمنية لإكمال هذا التحقيق مفتوحةً بل محددةً بأمدٍ زمني ، وبخلافه يتم الإكتفاء بتحقيقات الهيئة . ولقد لايكون معلوماً للبعض أن التحقيق الإداري كان سبباً رئيساً في تأخير حسم قضايا النزاهة لأمدٍ يتخطى السنة والسنتين .

ثانياً / خارطة طريق مكافحة الفساد في المدى البعيد – البرلمان والحكومة المقبلان – :

(أ) مسؤوليات البرلمان في المرحلة المقبلة:

1- عدم منح الثقة في الحكومة المقبلة لأي شخصٍ متورطٍ بالفساد ، أو سبق أن حققت معه وأدانتهُ تحقيقياً هيئة النزاهة في قضايا مهمة.

2- عدم منح الثقة للمشمولين بالعفو العام.

3- سنّ التشريعات المذكورة آنفاً في ( أولاً – أ ) وتعديلها في هذه المرحلة ، إن تعذّر سنّها وتعديلها في المرحلة الأولى – المدى القريب – .

4- تأليف لجنة من المتخصصين تشمل ممثلين عن السلطة القضائية وهيئة النزاهة ومجلس الدولة ، لإعادة النظر في منظومة مكافحة الفساد القانونية ؛ بغية تقديم مقترحاتٍ لسنّ تشريعاتٍ جديدة وتعديل التشريعات الحالية ، مع مراعاة عدم التدخل السياسي في عمل اللجنة ومنحها الصلاحيات الكافية.

5- ضرورة قيام البرلمان بأخذ رأي الجهات المعنية عند إرادته سنّ قانون يتعلق بمكافحة الفساد أو عند إرادة تعديله.

6- تأليف لجنة عالية المستوى تضم بعض البرلمانيين المعروفين بنزاهتهم وسيرتهم الحسنة تكون برئاسة أحد أعضاء هيئة رئاسة البرلمان وتخضع لإشراف الأخيرة ، تنحصر مهمتها في تلقي الشكاوى حول ما قد يُزعم من قيام بعض أعضاء البرلمان بعمليات إبتزازٍ وما شابه ؛ بغية أخذ الإجراءات القانونية الصارمة ، وإحالة الشكوى بعد التأكد منها إلى الجهات التحقيقية والقضائية المعنية ، مصحوبةً برفع الحصانة البرلمانية عن المشكو منه. ويُقال الأمر ذاته عن المجالس المحلية ، على أن تكون تلك اللجنة مؤلفةً من المجالس ذاتها.

7- تنظيم آليات رقابة البرلمان بما ينسجم مع الدستور ؛ بغية معالجة بعض الآليات التي ربما يلجأ إليها البعض لأغراضٍ شخصيةٍ وماشابه ، من قبيل إيقاف التعاطي فيما قد يُزعم بكونها ملفات فساد عبر وسائل الإعلام دون المرور بالقنوات القانونية والقضائية ، وكذا إيقاف الإتصالات المباشرة التي ربما يقوم بها بعض النواب ببعض القيادات الإدارية والوسطى والدنيا في بعض المؤسسات التنفيذية ، التي تحمل في طياتها تدخلاً مباشراً في عمل المؤسسة لأغراضٍ لا علاقة لها بالرقابة التي حددها الدستور والأعراف الدستورية المستقرة.

8- إعمال المعايير والأسس الدستورية التي يُبنى عليها الإستجواب ، وأن لا يكون مبنياً على أسسٍ بعيدةٍ عن روح الدستور.

9- سنّ قانون يُلزم الأحزاب والتكتلات السياسية بإلغاء اللجان الإقتصادية التي تهيمن على عقود الوزارة – وإن كانت هذه اللجان تحت عناوين أخرى تحمل المفهوم ذاته – ، مع تقديم تعهداتٍ من الأحزاب تُفيد بإلغاء هذه اللجان ، وأن يتضمن القانون المقترح نصّاً يمنع من لايمتثل للإلغاء من الترشيح في الإنتخابات ، فضلاً عن العقوبة ، تأسيساً على أن الحزب هو شخصيةٌ معنويةٌ يخضع للمسؤولية الجزائية.

10- تفعيل مجلس الخدمة العامة الإتحادي ؛ بغية القضاء على ظاهرة التعيينات الحزبية والعشوائية ، شريطة أن يتم إختيار أعضاء المجلس من جهاتٍ مهنيةٍ بعيدة عن الأطراف السياسية ، وأن يكون الإختيار مبنياً على وفق معايير الخبرة والكفاية والنزاهة والإستقلالية وعدم الإنتماء الحزبي ، وبخلافه سيغدو المجلس مشكلةً لا حلاً وسيُفضي إلى أن تكون المحاصصة مشرعنةً.

11- تعديل قانون الخدمة المدنية ليتضمن نصاً يمنع الوزراء والمسؤولين كافة من تعيين أقاربهم إلى الدرجة الرابعة في المؤسسات التي يعملون فيها.

12- إضافة نصٍ في قانون الإنتخابات المزمع سنّه يقضي بكون جرائم الفساد من الجرائم المخلّة بالشرف.

13- عدم منح الثقة لأي مسؤولٍ إمتنع من الإفصاح عن ذمته المالية على الرغم من المطالبات المتكررة من هيئة النزاهة.

14- تبني المجلس قراراً يقضي بعدم السماح لأعضائه بإكمال دراستهم الأولية أو العليا ؛ كي يتفرغوا للخدمة العامة ، ومنعاً لإستغلال المنصب ، وما قد يترتب على ذلك من آثارٍ باتت واضحةً للجميع.

15- وإذ تكون التجربة البرلمانية ما بعد عام 2003 ليست كما أُريدَ لها في الدستور أن تكون ديمقراطيةً تمثيليةً ، بل أضحت ديمقراطيةً تحت مسمياتٍ أخرى معروفة للجميع ، وإذ يكون تعديل الدستور أمراً صعباً وقد يفتح الباب على مصراعيه ، لذا ندعوا أهل الحل والعقد للتفكير جدياً بإمكانية إجراء تعديلٍ دستوري يكون منحصراً ومحدداً في تخفيض عدد النواب ليكون العدد محدداً بواقع إثنين عن كل محافظة – مع مراعاة خصوصية بغداد – ، وأن يكون طلب الإستجواب موقعاً من ثلث أعضاء البرلمان – وهي مجرد دعوة للتفكير.

(ب) مسؤوليات الحكومة المقبلة:

1- توخي الدقة في إختيار الوزراء ، وإتاحة الفرصة أمام رئيس الوزراء المكلّف لممارسة صلاحياته الدستورية في إختيار المرشحين ، وأن يراعي في الإختيار معايير الخبرة والكفاية والنزاهة والسيرة الحسنة ، وأن يكون المرشح ذا رؤيةٍ استراتيجيةٍ وقدرةٍ على النهوض بواقع الوزارة . ونبذ المعايير السابقة في الإختيار المبنية على – المحاصصة الحزبية البحتة – .

2- مراعاة المعايير المتقدمة في اختيار القيادات الإدارية المتقدمة لشغل المواقع في الحكومة المقبلة.

3- نبذ معايير المحاصصة الحزبية في تولي الوظائف العامة ، وإعتماد معايير التخصص والخبرة والكفاية والنزاهة في توليها.

4- عدم ترشيح أي شخص لتبوؤ منصب الوزارة ممن شُمل بقانون العفو العام ، أو ممن هو في موضع التهمة بشكلٍ واضح ، حتى مع عدم وجود حكمٍ بالإدانة.

5- القيام بطلب سحب الثقة عن أي وزير تختلُّ فيه إحدى المعايير المتقدمة ولاسيما معيار النزاهة ، وعدم التربص إلى مدة إنتهاء ولاية الحكومة الدستورية ، وأن يتم الإستئناس والإكتفاء لتقويم أداء الوزير المطلوب سحب الثقة عنه برأي الأجهزة الرقابية المعنية المتمثلة بهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والمفتش العام.

6- عدم ترشيح أي شخصٍ لمنصب الوزارة إن كان ممن يؤمنون بفكرة – جواز أخذ المال العام لكونه مجهول المالك – .

7- غلّ يد الوزارة عن التعاقدات المهمة والكبيرة ، وأن تُعهَد إلى جهةٍ مركزيةٍ تعتمد أسلوب التعاقدات الألكترونية ، يتم اختيار أعضائها على وفق معايير التخصص والخبرة والنزاهة والإستقلالية وعدم الإنتماء الحزبي ، وإنهاء عمل لجنة الشؤون الإقتصادية المؤلفة في مجلس الوزراء ، ونقل صلاحياتها إلى الجهة المركزية.

8- إنشاء محكمةٍ متخصصةٍ لمحاكمة المسؤولين الرفيعي المستوى وذوي الدرجات الخاصة ، يتم إختيار أعضائها على وفق معايير الخبرة والنزاهة والشجاعة ، مع توفير الضمانات اللازمة لحماية القضاة أعضاء المحكمة ، وبالإمكان الإفادة من الإمكانات المادية والبشرية في المحكمة الجنائية العراقية العليا.

9- السعي لإكمال مشروع الحوكمة الألكترونية والنافذة الألكترونية لتقليل منافذ الفساد.

10- الإهتمام بإختيار القيادات والملاكات الإدارية العاملة في المنافذ الحدودية والكمارك ، والمراقبة المستمرة لأدائها.

11- تفعيل الرقابة الداخلية في الوزارات والمؤسسات وإيلاؤها الأهمية ، والتركيز على معايير إختيار أعضائها.

12- الإهتمام بالموظفين النزيهين المتميزين وتكريمهم ؛ ليكونوا قدوةً للآخرين ، مع تخصيص يومٍ معين تقوم فيه الحكومة بتكريم هؤلاء تحت أي مسمىً ،كأن يكون (يوم الموظف النزيه) .

{ رئيس هيئة النزاهة / وكالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.