السيدة نرجس تستغيث

تنادي بأعلى صوتها وتستغيث: إنظروا الى حالي وأنقذوني مما أنا فيه، فليس لي طاقة بعد، على حمل ما كلفتموني به، بعد أن تركتموني جثة هامدة، لم تمدوا يدكم لمساعدتها وجعلها تنهض من جديد، وكأنكم لا ترون حالي ولا تسمعون استغاثتي، وأنا صاحبة الفضل عليكم، فأي قوم انتم ؟!.
في صبيحة الأول من تشرين الأول، صحوت باكرا على صوت طفلتي، وهي تجهز نفسها بفرح وسرور والابتسامة تملأ محياها، استعدادا ليومها الأول في عامها الدراسي الجديد، وهي على أعتاب مرحلة جديدة من الدراسة المتوسطة، بعد أن أنهت مرحلتها الابتدائية بتفوق، لذلك كان لزاما علي مرافقتها، وإيصالها الى مدرستها الجديدة التي تسمى متوسطة ” السيدة نرجس”، وليتني لم اذهب واصل الى ذلك الباب الحديدي المتهالك، الذي يكاد أن يسقط بمجرد محاولة فتحه.
بعد وصولي للإدارة؛ ومحاولة نقل ابنتي من هذه المتوسطة الى أخرى غيرها، إكتشفت أنها المتوسطة الوحيدة، في مدينة فيها أربع مدارس ابتدائية خاصة بالبنات فقط، ولا خيار أمامي إلا هذه، فقد تم تهديم المتوسطة الأخرى قبل ثلاثة سنوات من اجل إعادة بنائها، ولكنه لم ينجز الى هذا اليوم، بعد أن أوقف صرف الأموال اللازمة لإكمال البناء، كما أن هناك متوسطة خرسانية أخرى، وصلت الأعمال فيها الى مراحل متقدمة، ولكنها تركت مرتعا للكلاب والحيوانات السائبة، منذ خمس سنين.
فخرجت من الإدارة؛ ونظرت الى هذه المتوسطة ذات الجدران المتهالكة، والساحة الترابية والجدار الآيل للسقوط، والمرافق الصحية ذات الأبواب المتكسرة والرائحة العفنة، فوجدتها تموج بأعداد الطالبات اللاتي ازدحمن فيها، فصفوف المرحلة الأولى تجاوزت الستة صفوف، في كل صف ما يزيد على أربعين طالبة، بعضهن افترشن الأرض لعدم وجود كراسي كافية، حتى تم إفراغ مخزن المدرسة من اجل استيعاب أعداد إضافية من الطالبات، يحشرن بين أربعة جدران، وكأنهن دجاج يوضع في أقفاص البيع.
مدرسات حائرات بحجم الجموع الطلابية المكتظة بها هذه المتوسطة، التي يتحتم عليها استيعاب القادمات من أربعة مدارس ابتدائية، وكتب ممزقة لا تغطي الحاجة، فمعظم المناهج الدراسية لما يتم تجهيزها الى المدارس بعد، ونقص في التدريسيين لكثير من المواد الدراسية، وقرطاسية أبتلي بها أولياء الأمور يتحتم عليهم شرائها من الأسواق، بعد عجز وزارة التربية عن تجهيزها، وعام دراسي ينبأ انه فاشل بامتياز كسابقه، الذي ظهرت فيه نتائج النجاح في مدارس العراق مخزية، ولا معالجات تلوح في الأفق فالحال الى الأسوء.
وستبقى متوسطة “السيدة نرجس”، وغيرها كثير من مدارس العراق تشاركها المعاناة والإهمال، دون أن يلتفت احد الى ما يعانيها الطلبة في مدارسهم وطرق تعليمهم، ووضع الجميع رأسه في الرمال، من الصرخات التي تدعو لإنقاذ الوضع البائس، والانهيار الذي يعانيه الواقع التربوي في العراق، الذي كان الجميع يأمل انه سيشهد ثورة في التطور، ولكن جاءه الإيعاز: “الى الوراء در”.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.